الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

صلة القرابة بين قحطان وعدنان والأقرب منهما نسبًا إلى بني إسرائيل
رقم الفتوى: 316918

  • تاريخ النشر:الأحد 2 ربيع الأول 1437 هـ - 13-12-2015 م
  • التقييم:
53691 0 2829

السؤال

ما هي صلة القربى بين قحطان وعدنان أجداد العرب؟ وهل صحيح أنهما لا يجتمعان إلا في سام بن نوح -عليه السلام-؟ وإن صح هذا فبالتالي؛ العرب العدنانيون أقرب نسبًا ودمًا إلى اليهود من القرابة التي تجمع العرب العدنانيين والعرب القحطانيين.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فلا خلاف بين النسّابين والمؤرخين في أن عدنان هو من ولد إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام- على نزاع طويل في تسمية ما بين عدنان وإسماعيل من الآباء؛ قال ابن القيم في زاد المعاد -بعد ما ساق النسب النبوي الشريف إلى عدنان-: إلى ها هنا معلوم الصحة، متفق عليه بين النسّابين، ولا خلاف فيه البتة، وما فوق عدنان مختلف فيه، ولا خلاف بينهم أن عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام-. اهـ.

وأما قحطان: فقد اختلف في نسبته اختلافًا طويلًا، فقيل إنه من ذرية إسماعيل، وأن نسبه يجتمع مع عدنان في إسماعيل -عليه السلام-.

وقيل بنسبته إلى إرم، وأنه يجتمع مع عدنان في سام بن نوح، وقيل بنسبة قحطان إلى عابر، وأنه يلتقي مع عدنان في شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح.

قال ابن عبد البر: والذي عليه أئمة هذا الشأن في نسب عدنان قالوا: عدنان بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم -خليل الرحمن- بن تارح وهو آزر بن نأحور بن ساروح بن أرغو بن فالغ بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ -وهو إدريس النبي فيما يزعمون-. والله أعلم.

وكان أول نبي أعطي النبوة بعد آدم وشيث وخط بالقلم: ابن يرد بن مهليل بن قينان بن يانش بن شيث بن آدم -صلى الله عليه وسلم-.

قال ابن هشام: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي بهذا الذي ذكرت من نسب عدنان إلى آدم، وما فيه من حديث إدريس وغيره، وبإسناده عن ابن عباس قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا انتهى إلى عدنان أمسك، ثم يقول: كذب النسّابون، قال الله تعالى: {وقرونا بين ذلك كثيرًا}.

وأما قحطان: فالاختلاف فيه كثير على ما أصف لك -إن شاء الله تعالى-.

قال محمد بن عبدة بن سليمان النسّابة: اختلف النسّابون جميعًا في نسبة قحطان على ثلاث مقالات تفرق أهل كل مقالة منها على ثلاث مقالات، فنسبته طائفة إلى إرم بن سام بن نوح، وقالت فيه ثلاث مقالات، ونسبته طائفة إلى إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام-، وقالت في ذلك ثلاث مقالات.

فأما الذين نسبوه إلى إرم فقالت الفرقة الأولى منهم: هو قحطان بن هود بن عبد الله بن الجلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.

وقالت الفرقة الثانية منهم: هو قحطان بن هود بن عبد الله بن رياح بن الجلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.

وقالت الفرقة الثالثة منهم: هو قحطان بن هميسع بن تيمن بن قحطان بن هود بن تيمن بن إرم بن سام بن نوح. ولا أظن هذه الفرقة صنعت شيئًا.

وأما الذين نسبوه إلى عابر فقالت الطائفة الأولى منهم -وهم جلّ أهل اليمن اليوم-: قحطان هو يقطان وهو يقطون وهو يقطن ويقطن ابن عابر وهو هود نبي الله ابن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وقال الزبير بن بكار: قحطان بالعربية وهو يقطن بالعبرانية، ويقطان بالسريانية ابن نبت وهو تابت بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك وهو لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس بن يارد وهو يرد بن قين وهو قينان بن أنوش بن شيث بالعربية وهو شاث بالسريانية وشيث بالعبرانية وهو هبة الله بن آدم وإليه أوصى آدم -صلى الله عليه وسلم-. قال علي بن كيسان: أنوش بن شيث هو بالعربية أنس بن شيث.

وقالت الطائفة الثانية: قحطان ويقطان أخوان وهما ابنا عابر وهو هود نبي الله ابن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح.

وقالت الطائفة الثالثة: قحطان بن هميسع بن تيمن بن يقطان بن عابر وهو هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح.

وأما الذين نسبوه إلى إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام- فقالت الطائفة الأولى منهم: قحطان ابن هميسع بن تيمن بن نبت وهو نابت ابن إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام-.

وقالت الطائفة الثانية: قحطان ابن هميسع بن تيمن وبه سميت اليمن ابن نابت بن إسماعيل. قال أبو عمر -رضي الله عنه-: يشهد لقول من جعل قحطان وسائر العرب من ولد إسماعيل -عليه السلام- قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقوم من أسلم والأنصار: "ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميًا".

وقالت الطائفة الثالثة: قحطان ابن هميسع بن أصاف بن هود بن شروان بن الميثان بن العامل بن مهران بن بحير بن يقظان بن نباوت وهو نابت ابن تيمن بن النبيت بن إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام-.

وأما الذين قالوا هذه المقالة التاسعة فهم الذين جعلوا بين عدنان وإسماعيل نيفًا وثلاثين أبًا، قال هشام ومن زعم أن قحطان ليس من ولد إسماعيل فإنه يقول: قحطان هو يقطون بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. قال أبو عمر: هكذا قال ابن الكلبي في العرب العاربة، ورأيت بخط أبي جعفر العقيلي قال: نا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا سلام بن مسكين قال: نا عون بن ربيعة عن يزيد الفارسي عن ابن عباس قال: العرب العاربة قحطان بن الهميسع والأمداد والسالفات وحضرموت. وهذا حديث حسن الإسناد، وهو أعلى ما روي في هذا الباب، وأولى بالصواب. والله أعلم.

قال ابن الكلبي: قول الناس إن هودًا هو عابر باطل؛ لأن هودًا ابن عبد الله بن الجلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.

وأما وهب بن منبه فقال في هود: هود بن عبد الله بن رياح بن حوبا بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. قال وهب بن منبه: وليس هو بأب لليمن؛ لأن اليمن من ولد قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. قال وهب: وإنما ادعت اليمن هودًا أبا حين وقعت العصبية بين اليمن ومضر، ففخرت مضر بأبيها إسماعيل فادعت اليمن عند ذلك هودًا. اهـ. باختصار من الإنباه على قبائل الرواة.

واختار البخاري أن قحطان ينتسب إلى إسماعيل -عليه السلام-، فقد ترجم في صحيحه: باب نسبة اليمن إلى إسماعيل، وأسند تحته حديث سلمة -رضي الله عنه-، قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على قوم من أسلم يتناضلون بالسوق، فقال: «ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميًا.

ورجح هذا القول ابن حجر في الفتح، فقال: وأما اليمن فجماع نسبهم ينتهي إلى قحطان، واختلف في نسبه، فالأكثر أنه بن عابر بن شالخ بن أرفشخذ بن سام بن نوح، وقيل هو من ولد هود -عليه السلام-، وقيل: ابن أخيه، وزعم الزبير بن بكار إلى أن قحطان من ذرية إسماعيل، وأنه قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إسماعيل -عليه السلام-، وهو ظاهر قول أبي هريرة المتقدم في قصة هاجر، حيث قال وهو يخاطب الأنصار: فتلك أمكم يا بني ماء السماء. هذا هو الذي يترجح في نقدي، وذلك أن عدد الآباء بين المشهورين من الصحابة وغيرهم وبين قحطان متقارب من عدد الآباء بين المشهورين من الصحابة وغيرهم وبين عدنان، فلو كان قحطان هو هودًا أو ابن أخيه أو قريبًا من عصره لكان في عداد عاشر جد لعدنان على المشهور أن بين عدنان وبين إسماعيل أربعة آباء أو خمسة. وأما على القول بأن بين عدنان وإسماعيل نحوًا من أربعين أبًا: فذاك أبعد، وهو قول غريب عند الأكثر، مع أنه حكاه كثيرون، وهو أرجح عند من يقول: إن معد بن عدنان كان في عصر بختنصر، وقد وقع في ذلك اضطراب شديد، واختلاف متفاوت حتى أعرض الأكثر عن سياق النسب بين عدنان وإسماعيل، وقد جمعت مما وقع لي من ذلك أكثر من عشرة أقوال. اهـ. باختصار.

بينما جزم ابن حزم في جمهرة أنساب العرب ببطلان القول بأن قحطان من ولد إسماعيل، فقال: جميع العرب يرجعون إلى ولد ثلاثة رجال: وهم عدنان، وقحطان، وقضاعة.

فعدنان من ولد إسماعيل بلا شك في ذلك، إلا أن تسمية الآباء بينه وبين إسماعيل قد جهلت جملة. وتكلم في ذلك قوم بما لا يصح؛ فلم نتعرض لذكر ما لا يقين فيه. وأمّا كل من تناسل من ولد إسماعيل -عليه السلام- فقد غبروا ودثروا، ولا يعرف أحد منهم على أديم الأرض أصلًا، حاشا ما ذكرنا من أن بني عدنان من ولده فقط.

وأما قحطان: فمختلف فيه من ولد من هو؟ فقوم قالوا: هو من ولد إسماعيل -عليه السلام-. وهذا باطل بلا شك؛ إذ لو كانوا من ولد إسماعيل، لما خص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بني العنبر بن عمرو بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بأن تعتق منهم عائشة. وإذ كان عليها نذر عتق رقبة من بني إسماعيل، فصح بهذا أن في العرب من ليس من ولد إسماعيل. وإذ بنو العنبر من ولد إسماعيل، فآباؤه بلا شك من ولد إسماعيل؛ فلم يبق إلّا قحطان وقضاعة.

وقد قيل: إن قحطان من ولد سام بن نوح. والله أعلم. وقيل: من ولد هود -عليه السلام-؛ وهذا باطل أيضًا بيقين قول الله تعالى: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً. وقال تعالى: وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ * سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً  فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ. وهود -عليه السلام- من عاد، ولا ترى باقية لعاد.

والذي في التوراة من أنه قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح -عليه السلام-: فقد بيّنّا في كتابنا الموسوم بـ «الفصل» يقين فساد نقل التوراة، عند ذكرنا ما فيها من الكذب الظاهر، الذي لا مخرج منه، وأنها مصنوعة مولدةٌ، ليست التي أنزل الله تعالى على موسى -عليه السلام- البتّة. اهـ.

وأما ما يتعلق بقولك: (العرب العدنانيون أقرب نسبًا ودمًا إلى اليهود من القرابة التي تجمع العرب العدنانيين والعرب القحطانيين): فلعلك تقصد باليهود بني إسرائيل، لأن اليهود ليسوا جنسًا واحدًا، فهناك يهود من بني إسرائيل، ويهود من العرب، وهناك يهود من أجناس أخرى.

وبنو إسرائيل -وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم السلام-- يلتقي نسبهم مع العدنانيين في إبراهيم -عليه السلام-؛ قال ابن عثيمين: {إسرائيل} هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وبنوه: ذريته من ذكور، وإناث، كما يقال: "بنو تميم" لذكورهم، وإناثهم؛ و"بنو إسرائيل" بنو عم للعرب؛ لأن العرب من بني إسماعيل، وهؤلاء من بني إسرائيل، وجدهم واحد، وهو إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-. اهـ. من تفسير سورة البقرة.

وبعد هذا؛ فإن قلنا بأن قحطان من ولد إسماعيل؛ فالعدنانيون أقرب نسبًا إلى القحطانيين منهم إلى بني إسرائيل.

وأما على القول بأن قحطان ليس من ولد إسماعيل -عليه السلام-؛ فإن العدنانيين أقرب نسبًا إلى بني إسرائيل منهم إلى القحطانيين.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: