الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل الدعاء يحول الشقي إلى سعيد

السؤال

لو قدر الله على شخص أنه من أهل الشقاء والنار، فهل يمكن دعاء الشخص نفسه أو دعاء غيره له بالهداية؟ وهل يمكن أن يتغير حال الإنسان ويصبح من أهل السعادة والجنة؟ أم هذه الأقدار لا تتغير؟.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فمن قدّر الله أنّه من أهل الشقاء وكتب ذلك عنده في اللوح المحفوظ، فهو شقي، ولا يتغير ما قضاه الله قضاء مبرماً، وأمّا المكتوب عند الملائكة: فقد يتغير بإذن الله تعالى بالدعاء ونحوه، وهذا الدعاء في ذاته من القدر المكتوب، جاء في فتح الباري للحافظ ابن حجر: المحو والإثبات بالنسبة لما في علم المَلَك، وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى فلا محو فيه البتة، ويقال له: القضاء المبرم، ويقال للأول: القضاء المعلق. اهـ.

وقال العلامة السعدي: يمحوا الله ما يشاء ـ من الأقدار: ويثبت ـ ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير، لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص أو خلل، ولهذا قال: وعنده أم الكتاب ـ أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها وهي فروع له وشعب، فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابا ولمحوها أسبابا لا تتعدى تلك الأسباب ما رسم في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببا لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ. هـ.

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: هل للدعاء تأثير في تغيير ما كتب للإنسان قبل خلقه؟ فأجاب بقوله: لا شك أن للدعاء تأثيرا في تغيير ما كتب، لكن هذا التغيير قد كتب أيضا بسبب الدعاء، فلا تظن أنك إذا دعوت الله فإنك تدعو بشيء غير مكتوب، بل الدعاء مكتوب، وما يحصل به مكتوب.
واعلم أنّ ما كتبه الله على العبد من الشقاوة أو السعادة، فهو غيب لا سبيل لأحد إلى الاطلاع عليه، ولذلك فإنّ الواجب على العبد أن يعمل ويجتهد في الأسباب الموصلة إلى النجاة والسعادة ومنها الدعاء، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة والنار، قالوا أولا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له. متفق عليه.

قال النووي رحمه الله: وكما لا يحسن ترك الصلاة والصوم والذكر اتكالا على القدر، فكذا الدعاء بالنجاة من النار ونحوه.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني