الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المني الخارج إذا لاقى شيئًا من النجاسة على المحل
رقم الفتوى: 365923

  • تاريخ النشر:الإثنين 16 ربيع الأول 1439 هـ - 4-12-2017 م
  • التقييم:
3746 0 115

السؤال

قرأت في أحد الأبحاث الفقهية عن المائعات وأحكام ملاقتها للنجاسات ما نصه:
الوجه الثاني : أن يقال: غاية هذا أنه يقتضي أن يمكن إزالة النجاسة بالمائع، وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، كما هو مذهب أبي حنيفة وغيره، وأحمد جعله لازمًا لمن قال: إن المائع لا ينجس بملاقاة النجاسة؛ وهذا لأنه إذا دفعها عن نفسه دفعها عن غيره، كما ذكروه في الماء، فيلزم جواز إزالة النجاسات بكل مائع، طاهر مزيل للعين قلاع؛ للأثر على هذا القول. وهذا هو القياس، فنقول به على هذا التقدير، وإن كان لا يلزم من دفعها عن نفسه دفعها عن غيره؛ لكون الإحالة أقوى من الإزالة، فيلزم من قال: إنه يجوز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات أن تكون المائعات كالماء، فإذا كان الصحيح في الماء: أنه لا ينجس إلا بالتغير إما مطلقا، وإما مع الكثرة، فكذلك الصواب في المائعات.
وفي الجملة التسوية بين الماء والمائعات ممكن على التقديرين، وهذا مقتضى النص والقياس في مسألة إزالة النجاسات، وفي مسألة ملاقاتها للمائعات: الماء وغير الماء.
ومن تدبر الأصول المنصوصة المجمع عليها، والمعاني الشرعية المعتبرة في الأحكام الشرعية - تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال، فإن نجاسة الماء والمائعات بدون التغير بعيد عن ظواهر النصوص، والأقيسة.
وكون حكم النجاسة يبقى في مواردها بعد إزالة النجاسة بمائع أو غير مائع بعيد عن الأصول، وموجب القياس، ومن كان فقيهًا خبيرًا بمأخذ الأحكام الشرعية، وأزال عنه الهوى تبين له ذلك، ولكن إذا كان في استعمالها فساد، فإنه ينهى عن ذلك، كما كان ينهى عن ذبح الخيل التي يجاهد عليها، والإبل التي يحج عليها، والبقر التي يحرث عليها، ونحو ذلك؛ لما في ذلك من الحاجة إليها، لا لأجل الخبث.
كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في بعض أسفاره مع الصحابة، فنفدت أزوادهم، فاستأذنوه في نحر ظهورهم، فأذن لهم، ثم أتى عمر -رضي الله عنه- فسأله أن يجمع الأزواد، فيدعو الله بالبركة فيها، ويبقي الظهر، ففعل ذلك.
فنهيه لهم عن نحر الظهر كان لحاجتهم إليه للركوب، لا لأن الإبل محرمة؛ فلهذا ينهى عما يحتاج إليه من الأطعمة والأشربة عن إزالة النجاسة بها، كما ينهى عن الاستنجاء بما له حرمة من طعام الإنس والجن، وعلف دواب الإنس والجن، ولم يكن ذلك لكون هذه الأعيان لا يمكن الاستنجاء بها، بل لحرمتها، فالقول في المائعات كالقول في الجامدات.
(الوجه الثالث): أن يقال: إحالة المائعات للنجاسة إلى طبعها أقوى من إحالة الماء، وتغير الماء بالنجاسات أسرع من تغير المائعات، فإذا كان الماء لا ينجس بما يقع فيه من النجاسة لاستحالتها إلى طبيعته، فالمائعات أولى وأحرى.
وسؤالي هو: بما أنني موسوس في أمور الاستنجاء، فأنا أتركه معتبرًا أن الأثر اليسير معفو عنه، وإنما أقع في حرج عند اختلاط المني به، فهل اختلاط المني مع ما يعفى عنه من النجاسة -كنقطة بول تركت على المخرج، أو مذي، أو غيرهما- ينجسه، حتى لو لم يتغير المني بذلك؟ ألا يستقيم قياس ذلك على من يقول: إن الماء القليل لا يتنجس إلا بالتغير؟ وإن كان القياس ممكنا -والحال هذه- فهل إنزال المني لمن به أثر بول على المحل لا يلتفت فيه لحالة المني من تغير، حيث إن الأصل طهارة غُسالة الماء المنفصل عن النجاسة حتى يتيقن تغيره، ويقاس عليه حال المني هنا، فما مدى صحة ذلك؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد: 

فالكلام المنقول في واد، والسؤال في واد آخر، فلا تعلق لسؤالك بما نقلته من كلام في حكم المائعات.

وأما جواب سؤالك: فاعلم أنه لا يجوز لك ترك الاستنجاء رأسًا، وليست الوسوسة عذرًا في ترك الاستنجاء، بل عليك أن تستنجي، أو تستجمر بثلاثة أحجار منقية، وتدع عنك الوسوسة، ولا تبالي بها.

والاستجمار مطهر للمحل على أحد القولين، ومن ثم؛ فلا ينجس ما لاقى المحل بعد الاستجمار من المني.

وأما إن لم تستنج بالماء، أو تستجمر بالحجارة، وما في معناها، فإن المني الخارج إذا لاقى شيئًا من البول على المحل، فإنه ينجس بذلك، ويجب الاستنجاء منه، قال البغوي: ومني الآدمي طاهر؛ وهو قول عبد الله بن عباس؛ وبه قال عطاء. فإن بال، أو أمذى، ثم أمنى قبل غسل ذكره، ينجس المني بملاقاة البول. انتهى.

وقال في شرح المنتهى: وَأَمَّا مَنِيُّ الْمَأْكُولِ، فَطَاهِرٌ. وَكَذَا مَنِيُّ الْآدَمِيِّ- ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى- عَنْ احْتِلَامٍ، أَوْ جِمَاعٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا. فَلَا يَجِبُ فَرْكٌ، وَلَا غُسْلٌ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَنْ اسْتِجْمَارٍ. وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَخْرَجِ نَجَاسَةٌ، فَالْمَنِيُّ نَجَسٌ، لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ. انتهى.

فهذان نقلان عن فقهاء الشافعية، والحنابلة القائلين بطهارة المني يفيدانك أن المحل إذا كان متنجسًا وخرج المني، فلاقى تلك النجاسة، تنجس بذلك.

وأما الحنفية، والمالكية فيقولون بنجاسة المني أصلًا.

وبكل حال؛ فيجب عليك الاستنجاء، ولكن تستنجي بصورة عادية طبيعية، غير ملتفت إلى الوساوس، ولا مكترث بها.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: