الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تجاوز حدود الشرع في المحادثة بين الجنسين ذريعة إلى ما يوجب الندم
رقم الفتوى: 379699

  • تاريخ النشر:الإثنين 11 ذو القعدة 1439 هـ - 23-7-2018 م
  • التقييم:
2138 0 67

السؤال

أنا في 27 من عمري، تعرفت إلى فتاة على الإنترنت عمرها 15 سنة، وعمري حين ذاك 17 سنة، التقيتها بعد أشهر هي وأمها؛ حيث إن أمها جاءت للعمل بمدينتي، وكان ذلك اللقاء شيقًا، وفرحت لرؤيتهما، والتحدث معهما، وتفرقنا بعد ذلك وحرقة الفراق بيننا، وتمنينا لو تزوجنا اليوم ذاته، وبقيت العلاقة تتطور على الإنترنت، نتكلم عبر الكاميرا، ريثما أستطيع طلبها من أهلها، وذات يوم غرها الشيطان، واقترحت عليّ رؤيتها عارية على الكاميرا، فرفضت ذلك بلطف، وقلت: صبرًا جميلًا حتى الزواج، فتقبلت، واستغفرت، وأكملنا مشوارنا، وبهذه القوة كان صبرنا، لا يهمنا سوى مستقبلنا، ومرّت شهور بعد ذلك، ولضعف إيماننا، وعدم وعينا، أقدمنا على الزنى عبر الكاميرا، وداومنا على ذلك، وحاولنا مرارا الكف عنه، ولاحظت أنها -رغم جدية علاقتنا- أبقت على علاقاتها "العادية" مع معارفها -من الدراسة أم من مواقع التواصل- من الذكور، وكانت تضع العديد من الصور الفاتنة لها على تلك المواقع، وكان الآخرون يعجبون بتلك الصور، وحدثتها في الأمر أكثر من مرة، واخترت الصبر، وأخذ عمرها بعين الاعتبار، سوف تغير هذه العادات السيئة مع تقدم سنها، واستفحل الأمر، فأصبح يراودني الشك ولو قليلًا، وكانت هنالك أمور مبهمة من جهتها، وأصبحنا نلتقي ونتكلم، فتارة نفرح، وتارة نتحدث في المشاكل العالقة بيننا، ومرت الأيام، ووقعنا في كبيرة الزنى، وكررنا الخطيئة عدة مرات، ووقعت في انفصام بين عقل يعلم مدى فظاعة فعلتنا أمام الله، وعقل يحاول تبرير الفعلة بنية الزواج المسبقة، والتي والله لم تتغير، ومرت أشهر على أول ارتكاب لتلك الجريمة، ولم يتبدل حالها، وبسبب شكّي المبرر استغللت معرفتي بتقنيات الحاسوب للتحري على حساباتها، فكانت المفاجئة، فهناك من واعدت، ومن تكلمت معه كلامًا فاحشًا، ومن أعجبت به... الخ. بل واكتشفت أنها التقت شخصًا، ووقعت معه في زنى غير كامل، وهنا كانت صدمتي الكبرى، وبدأ انقلاب توقعاتي رأسًا على عقب، وبلغت حينها 19 عامًا، وشككت في حبها، وكل ما يتعلق بها، وواجهتها بما اقترفت، فبكت وندمت وطالبت الصفح، ووعدت بتحسين الوضع، وضعفت أمامها، وقررنا إعادة الأمور إلى مجاريها، وزنينا ثانية، ورجعت هي لما كانت عليه من أفعال، وطورت علاقات مع رفقة سوء من فتية وفتيات في الجامعة، وأصبحت العلاقة متوترة، ورفضت تغيير نمط لبسها المتبرج، ورفض نزع صورها، ورفضت قطع علاقاتها مع رفقة السوء، واتفقنا على قطع العلاقة لعدم تفاهمنا، واتبعت طريق الهدى، وكنت أستغفر الله على فعلتنا، وهي ما زالت في ظلمها لنفسها، وقد زنت مع العديد من الرجال زنى كامل الأركان، وأصبح لها نمط عيش ليلي لا يجذب إلا الخبث، وتحدثت معها، وقالت: إنها تابت، ولم أعد أثق بها البتة، فقد بقت على اتصال مع كل من زنت معه، وتقول: إنها قطعت العلاقات الجنسية معهم، لكن ذلك لا يمنع الإبقاء على العلاقات "الإنسانية" المحضة، فكيف يغفر لي الله ما اقترفته في حقها، وحق أبيها؟ وهل يرضي الله؟ أنا في حيرة من أمري، وأعاني انفصامًا شاملًا، حيث إني أقول: إنني أتقي الله، ولكني دومًا أضعف أمامها.

الإجابــة

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فالمحادثة بين الأجنبيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو غيرها -إن لم تكن وفق ضوابط الشرع، وعلى حال يبعد عن الفتنة- وبال على صاحبها، وذريعة إلى ما يوجب الندم. ومن هذا الباب أُتِيت، ولو أنك اتقيت الله عز جل، لكنت في عافية من ذلك كله.

ولا تنس أن الشيطان عدو الإنسان، يستدرجه إلى مصائده استدراجًا خطوة بعد خطوة؛ حتى يوقعه فيها؛ ولذا حذر رب العزة والجلال منه، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {النور:21}، فما حدث منكما هو مصداق هذه الآية، فمن مجرد محادثة معها شيء من الاحتشام، إلى إبداء العورات، وإثارة الشهوات، إلى الوقوع في واحدة من أعظم الكبائر الموبقات -أي: الزنى، الذي رتب الشرع عليه العقوبة في الدنيا والآخرة-، كما سبق بيانه في الفتوى رقم: 1602.

ولو أنك نظرت بعين البصيرة، لعلمت أن مثلها لا يرتضيها المسلم لنفسه زوجة، فهي غير مرضية في دِينها، وقد ثبت في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تنكح المرأة لأربع؛ لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدِّين تربت يداك.

وقد أحسنت بندمك على ما فات، والندم باب للتوبة النصوح المستوفية لشروطها.

ومن تمام توبتك: أن تقطع تمامًا كل علاقة لك بها، واحذر الحيل النفسية، ومحاولة التبرير للتواصل معها.

وإن كانت فعلت ما فعلت معك من آثام عن طواعية واختيار، فهي قد جنت على نفسها، ولا تكون بذلك ظالمًا لها؛ ولهذا لم يوجب الفقهاء على الزاني شيئًا للمرأة المطاوعة في الزنى، بخلاف المكرهة، كما أوضحناه في الفتوى رقم: 198321.

وأما الوالد ونحوه، فقد ذكر بعض أهل العلم أن له حقًّا في ذلك، ولكن التوبة من هذه الحقوق المعنوية لا يلزم فيها طلب السماح، ويكفي الدعاء له بخير، وانظر الفتوى رقم: 241840، والفتوى رقم: 18180.

 وإن تابت هذه الفتاة، وغلب على الظن صدق توبتها، فلا بأس بأن تتزوجها، ولكن ما ذكرت من كونها تريد أن تبقي ما أسمته بـ: "العلاقات الإنسانية " مع رجال أجانب عنها، ربما يكون مؤشرًا على أنها لم تصدق في هذه التوبة، فكن على حذر منها، وابحث عن امرأة صالحة تتزوجها؛ لتعينك في أمر دِينك، ودنياك.

واحرص على ما يجنبك أسباب الفتنة من العلم النافع، والعمل الصالح، وحضور مجالس الخير، وصحبة الأخيار، ولمزيد الفائدة راجع الفتاوى: 1208، 10800، 12928.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: