الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما لا يؤثر على البر بالأم
رقم الفتوى: 388915

  • تاريخ النشر:الخميس 12 ربيع الآخر 1440 هـ - 20-12-2018 م
  • التقييم:
1874 0 75

السؤال

أرجو الإفادة بشأن البركة في المال، وعلاقتها بصلة الرحم.
فأنا أعمل بالخارج، ولدي أسرة، وأبلغ من العمر 39 عاما، وأعمل خارج مصر منذ 15 عاما، وكنت أساعد أمي في الصرف وسداد ديونها لمدة ثماني سنوات، وشراء شقة لها بدلا من شقتها التي كانت تعيش فيها، والصرف على أخي الصغير حتى تخرج من الكلية، وبعد زواجي وتخرج أخي من الكلية، وعمله في شركة قلَّ ما كنت أرسل لأمي؛ نظرا لوجود أطفال ومدارس والتزامات، ولكني حتى اليوم ملتزم بإرسال مبلغ مالي كل شهر لمساعدة أمي بالإضافة لمساعدة أخي لها، فهي في الأصل كانت تعمل، وحاليا على المعاش، لكن في مصر المعاشات ضعيفة.
وبعد الزواج قلَّ ذهابي لأمي وخالتي بسبب قصر فترات إجازاتي، ووجود بيتي وأسرتي وأوراق أحتاج أن أنهيها في فترة إجازتي القصيرة، وأمور فرعية تأخذ من وقتي الكثير مما يجبرني أن أنام في الساعة الثامنة أو التاسعة من شدة التعب والإرهاق، ومع ذلك أشعر بأن أمي عاتبة علي؛ نظرا لقلة زيارتي لأخواتها أو لها. علما بأني في آخر إجازة أرسلت لها مالا لتأجير بيت في قرية سياحية على البحر لمدة ثلاثة أيام كأنها أجرته من مالها؛ لنجتمع جميعا معها وفي كنفها، واشتريت لها هدايا ولخالتي حتى أرضيها، وأحاول دوما الاتصال بها وزيارتها، وأخذها في فسحات يومية، لكنها كانت تعتب علي، وأشعر بتأنيب الضمير.
علما بأنها لا تزور أبنائي كثيرا، وكثيرة الانشغال بأمور خالتي، وتزورهم بشكل أسبوعي، ولا تزور أبنائي وزوجتي في بيت أهلها، ولا أستطيع أن أسألها أو أصارحها؛ لأن خالتي بالنسبة لها خط أحمر ممنوع الاقتراب منه، فهي تفشي كل أسراري لهم، وفي المقابل تتكم على أسرار أخي معهم، وحتى معي، ولا أعرف إلا في النهاية؛ لدرجة أني لم أعرف بنبإ خطوبة أخي إلا وهو ذاهب للاتفاق مع أهلها، وكنت مسافرا وقتها. بينما لو أنا اشتريت أو بعت أو اتفقت على شيء تغضب لو علمت أنها لم تعلم بالأمر. لدرجة أني أصبحت أستشعر نفسي عاقا ولست بارا بها، وأن سبب عدم البركة في مالي بسبب هذا الأمر.
حتى في أموري الشخصية من أعمال بزنس صغيرة. اشتريت شقتين من مدخراتي، واضطررت لبيع إحداهما بالخسارة؛ نظرا لمشكلة مع المقاول، والأخرى صاحب العقار نصب عليّ، وباع الشقة لمشتر آخر، وحتى اليوم أحاول جمع مالي منه من 2014 حتى اليوم، جزءا، جزءا.
وعندما جمعت مبلغا ماليا، ولم أخبر أمي حتى لا تخبر الجميع كالعادة، وبدأت في العمل به في مشروع للمتاجرة بالذهب شراء وبيعا خسرت،
فلا أعلم هل شكي صحيح أم لا؟ وماذا أفعل كي يبارك الله لي فيه؟ علما بأني -ولله الحمد- أحافظ على صلاة الفجر، والصيام التطوع، ولي ورد يومي للقرآن، أحاول ختمه كل شهر على الأقل.
فهل هذا ابتلاء من الله لي مصداقا للآية الكريمة (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات)؟ أم هو عقاب على عقوق أمي مثلا؟
ملحوظة: خالتي أبناؤها غير متزوجين رغم تخطيهم ال30 سنة، وحتى أخي تخطى ال30 ولم يتزوج، وأستشعر بأمي كلما حكت لهم أي شأن يخصني أجده تحدث به مشكلة، ولا أريد إساءة الظن. علما بأن أمي وخالتي الأخرى يعلمون بأنها تحسد، ويخافون منها، ولا يحكون لها أي شيء يخصهم إلا القليل، ولكني توقفت عن إعلام أمي بما أفعل؛ لأني لا أحب أن أكون كتابا مفتوحا أمام الجميع، وليس سوء ظن فيهم،
ولكن لا أحب أن يعلم الجميع بأموري.

الإجابــة

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فجزاك الله خيرا على حرصك على البر بأمك ومساعدتها، فنسأله سبحانه أن يتقبل منك ذلك، وأن يوفقك إلى مزيد البر بها ويكسبك رضاها، ففي رضاها رضا الله تعالى، روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد.
  ولم يظهر لنا فيما ذكرت أنك عققت أمك، ومهما أمكنك زيارتها وزيارة خالاتك فافعل حسب وسعك، فقد قال تعالى: وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا {المؤمنون:62}.

وما حصل لك من خسائر مالية لا يلزم أن تكون بسبب ذنب، أو بسبب عدم إخبارك أمك بأمر هذه التجارة، بل قد يكون الأمر مجرد ابتلاء، فإذا صبرت عليه رفع لك به الدرجات، وكفر عنك الذنوب والسيئات، وانظر في فضل الصبر على البلاء الفتوى رقم: 18103. وقد ضمنا الفتوى رقم: 298180. بعض أسباب البركة في الرزق.

 وإن كانت أمك تفشي أسرارك للآخرين فلا شك في أنها مسيئة بذلك، فإفشاء الأسرار منهي عنه شرعا، ويحرم فيما يمكن أن يلحق منه ضرر، وسبق بيان ذلك في الفتوى رقم: 118746. ولا حرج عليك في كتمان أسرارك عنها، فلست مكلفا بإخبارها عنها. والكتمان قد يكون أحيانا أفضل، بل قد يكون سببا للتوفيق، روى الطبراني - وصححه الألباني - عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان؛ فإن كل ذي نعمة محسود.

  وكونها تعتب عليك في عدم زيارتك لها بصورة متقاربة، أو قلة زياراتك لخالاتك، فهذا أمر طبيعي، فلا تقلق من هذا العتاب، فقلب الأم يظل متعلقا بولدها مهما تقدمت به السن، وربما تخشى أن يأتي شيء من اللوم تجاهك من خالاتك، أو سمعت شيئا من ذلك، فافعل ما استطعت من أمر الزيارة، واعمل على مداراة أمك والتلطف بها، وكسب رضاها قدر الإمكان، فأحسن إليها، وأحسن إلى خالاتك بما استطعت، فبذلك قد تملك القلب، ويلتمس لك العذر، فالإحسان له مفعوله في القلوب. وقد أحسن الشاعر الحكيم حين قال:

           أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم    * فلطالما استعبد الإنسان إحسان

ونرجو أن تستفيد من بعض فتاوانا، فراجع منها الفتوى رقم: 76303، والفتوى رقم: 354847.

 والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: