الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم الإنكار على من تكشف وجهها أمام الرجال

السؤال

بارك الله فيكم ووفقكم.
لدينا في السعودية من تنتقب ومن تتحجب. فهل أنكر عليهن؟
وقد يكون لون القماش الذي تتحجب به وردي اللون، وتلبس عباءة سوداء. فهل مثل هذه أنكر عليها؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن المشهور عند العلماء أنه لا إنكار في مسائل الخلاف الاجتهادية التي ليس فيها نص صريح، أو إجماع.

قال النووي: العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق، ولم يزل الخلاف في الفروع بين الصحابة والتابعين فمن بعدهم ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ ولا ينكر محتسب ولا غيره على غيره، وكذلك قالوا ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا. اهـ باختصار من شرح صحيح مسلم.

وسئل ابن تيمية: عمن ولي أمرا من أمور المسلمين ومذهبه لا يجوز "شركة الأبدان" فهل يجوز له منع الناس؟

فأجاب: ليس له منع الناس من مثل ذلك ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا ما هو في معنى ذلك؛ لا سيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك، وهو مما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار. وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل، ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل؛ ولهذا لما استشار الرشيد مالكا أن يحمل الناس على "موطئه" في مثل هذه المسائل منعه من ذلك. وقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم.

وصنف رجل كتابا في الاختلاف فقال أحمد: لا تسمه "كتاب الاختلاف" ولكن سمه " كتاب السنة" ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا، كان في الأمر سعة.

وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه.

ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها؛ ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه. اهـ. من مجموع الفتاوى.

وأما خصوص جواز كشف المرأة وجهها أمام الرجال الأجانب: فهي من المسائل الاجتهادية، وقد نص بعض الأئمة كابن مفلح على أنه لا يسوغ الإنكار فيها.

قال في الآداب الشرعية: هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟

ينبني على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها، أو يجب غض البصر عنها، في المسألة قولان؟

فعلى هذا هل يشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف، وقد تقدم الكلام فيه.

فأما على قولنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم أن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة، فلا ينبغي أن يسوغ الإنكار. اهـ. باختصار.
بينما رأى بعض المعاصرين أنه ينكر على من تكشف وجهها في بلد يفتي علماؤه بوجوب تغطية الوجه، لأن العامي يلزم بالعمل بقول علماء بلده، وكذلك من أتت إلى بلد جرى عمل نسائه على تغطية وجههن فإنه ينكر عليه كشفها لوجهها فيه، ولو كانت مقلدة لعلماء بلدها الذين أجاوزا كشف الوجه.

فقد سئل ابن عثيمين: هل ينكر على المرأة التي تكشف الوجه، أم أن المسألة خلافية والمسائل الخلافية لا إنكار فيها؟

فأجاب: المسائل الخلافية تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: اجتهادية يسوغ فيها الخلاف؛ بمعنى: أن الخلاف ثابت حقاً وله حكم النظر، فهذه لا إنكار فيها على المجتهد، أما عامة الناس فإنهم يلزمون بما عليه علماء بلدهم؛ لئلا ينفلت العامة؛ لأننا لو قلنا للعامي: أي قول يمر عليك لك أن تأخذ به، لم تكن الأمة أمة واحدة، ولهذا قال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: العوام على مذهب علمائهم.

فمثلاً: عندنا هنا في المملكة العربية السعودية أنه يجب على المرأة أن تغطي وجهها، فنحن نلزم نساءنا بذلك، حتى لو قالت لنا امرأة: أنا سأتبع المذهب الفلاني وكشف الوجه فيه جائز، قلنا: ليس لكِ ذلك؛ لأنكِ عامية ما وصلتِ إلى درجة الاجتهاد، وإنما تريدين اتباع هذا المذهب لأنه رخصة، وتتبع الرخص حرام.
أما لو ذهب عالم من العلماء الذي أداه اجتهاده إلى أن المرأة لا حرج عليها في كشف الوجه، ويقول: إن امرأتي سوف أجعلها تكشف وجهها. قلنا: لا بأس، لكن لا يجعلها تكشف الوجه في بلاد يسترون الوجوه، يمنع من هذا؛ لأنه يفسد غيره، ولأن المسألة فيها اتفاق على أن ستر الوجه أولى، فإذا كان ستر الوجه أولى فنحن إذا ألزمناه بذلك لم نكن ألزمناه بما هو حرام على مذهبه، إنما ألزمناه بالأولى على مذهبه، ولأمر آخر وهو ألا يقلده غيره من أهل هذه البلاد المحافظة، فيحصل من ذلك تفرق وتفتيت للكلمة.
أما إذا ذهب إلى بلاده فلا نلزمه برأينا، ما دامت المسألة اجتهادية وتخضع لشيء من النظر في الأدلة والترجيح بينها.
القسم الثاني من قسمي الاختلاف: لا مساغ له ولا محل للاجتهاد فيه، فينكر على المخالف فيه؛ لأنه لا عذر له. اهـ. من لقاء الباب المفتوح.

والحجاب لا يشترط له لون معين، بل للمرأة أن تلبس الحجاب بأي لون شاءت، ما دام مستجمعا لشروط الحجاب الشرعي.

فقد سئلت اللجنة الدائمة: حجاب المرأة المسلمة هل هو خاص باللون الأسود أو عام في كل الألوان؟

فأجابت: لباس المرأة المسلمة ليس خاصا باللون الأسود، ويجوز لها أن تلبس أي لون من الثياب، إذا كان ساترا لعورتها، وليس فيه تشبه بالرجال، وليس ضيقا يحدد أعضاءها، ولا شفافا يشف عما وراءه، ولا مثيرا للفتنة. اهـ.

فمجرد كون الحجاب (وردي اللون) ليس إثما، وبالتالي: لا يوجب الإنكار عليها.
والله أعلم.

مواد ذات صلة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني