الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

التخلف عن الجمعة بسبب شدة التعب وغلبة النعاس

السؤال

سؤالي حول صلاة الجمعة: أنا مقيم بفرنسا، وليس لدينا مسجد في المكان الذي أقيم به. أقرب مسجد يبعد حولي 8,9 كم، أي حوالي 20 إلى 25 دقيقة.
وأنا أعمل أحيانا بنوبات ليلية. فبعد العمل طول الليل أظل مستيقظا إلى حوالي الساعة الواحدة بعد الظهر منتظرا صلاة الجمعة، علمًا أن عملي يبعد عن مقر سكني 40 كم، وأحيانا أقضي ساعة أو أكثر بعد الدوام حتى أعود إلى المنزل. وقد رزقني الله -ولله الحمد- بسيارة فاخرة تخفف عني عناء الطريق، ولكني أكون منهكًا. فبعد ساعة، و 40 كم لبلوغ المنزل، والعمل طول الليل، والوصول أخيرًا إلى المنزل حوالي الساعة 11 صباحًا، علي أن أعيد الخروج والقيادة 8 أو 9 كم حتى أبلغ المسجد.
فهل من الجائز أن أصلي صلاة الظهر حاضرة في منزلي عندما أكون منهكًا، أو تجب عليَّ صلاة الجمعة في المسجد؟
لكم جزيل الشكر، وبارك الله فيكم، وفي أعمالكم.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فالأصل هو وجوب السعي إلى الجمعة، ولو مع بُعد المسافة، ما دام يوجد في مدينتك التي تسكنها مسجد.

قال ابن قدامة في المغني: أَمَّا أَهْلُ الْمِصْرِ فَيَلْزَمُهُمْ كُلَّهُمْ الْجُمُعَةُ، بَعُدُوا أَوْ قَرُبُوا. قَالَ أَحْمَدُ: أَمَّا أَهْلُ الْمِصْرِ، فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ شُهُودِهَا، سَمِعُوا النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعُوا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَلَدَ الْوَاحِدَ بُنِيَ لِلْجُمُعَةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ. اهــ.

ولكن إن غلبك النعاس، ووجدت مشقة في الذهاب؛ فقد ذكر الفقهاء جملةً من الأعذار المسقطة لوجوب الجمعة منها: غلبة النعاس، والمشقة.

جاء في كشاف القناع للبهوتي -الحنبلي- عند ذكره للأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة: (أَوْ غَلَبَهُ نُعَاسٌ يَخَافُ مَعَهُ فَوْتَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (فِي الْوَقْتِ، أَوْ) يَخَافُ مَعَهُ فَوْتَهَا (مَعَ الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّ رَجُلًا صَلَّى مَعَ مُعَاذٍ ثُمَّ انْفَرَدَ، فَصَلَّى وَحْدَهُ عِنْدَ تَطْوِيلِ مُعَاذٍ، وَخَوْفِ النُّعَاسِ، وَالْمَشَقَّةِ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَخْبَرَهُ. اهــ.

وقال الشيخ ابن عثيمين في شرح الزاد: قوله: «أو غلبة نعاس» هذا نوعٌ تاسعٌ من أعذارِ تَرْكِ الجُمُعةِ والجماعة؛ إذا غلبه النُّعاسُ، فإنه يُعذرُ بتَرْكِ الجُمُعةِ والجماعةِ. مثال ذلك: رجل متعبٌ بسبب عَمَلٍ أو سَفَرٍ، فأخذه النُّعاسُ، فهو بين أمرين: إما أن يذهبَ ويصلِّي مع الجماعةِ، وهو في غَلَبَةِ النُّعاسِ لا يدري ما يقول، وإما أن ينامَ حتى يأخذَ ما يزولُ به النُّعاسُ ثم يُصلِّي براحةٍ، فنقول: افعلْ الثاني؛ لأنك معذورٌ. اهــ.

والأحوط في هذه الحال ألا تصلي الظهر قبل انتهاء الجمعة في المسجد، بل تنتظر حتى ينتهي الإمام من صلاة الجمعة في المسجد، ثم تصلي الظهر.

ولا تتخذ ذلك عادة وديدنًا في التخلف عن الجمعة؛ فشأنها عظيم، والتخلف عنها لغير عذر شرعي جرم جسيم، ويترتب عليه إثم كبير.

فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول -وهو على أعواد منبره-: لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات، أو لَيَخْتِمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين.

وفي المسند والسنن أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: من ترك ثلاث جمع تهاونًا من غير عذر؛ طبع الله -تبارك وتعالى- على قلبه.

وثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أحاديث كثيرة صحيحة في الترغيب في حضورها.

منها ما في صحيح مسلم، وغيره: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر.

فاحرص على حضورها ما وسعك ذلك، ولا تتخلف عنها إلا إذا كان هناك عذر معتبر، وفق ما بينا سابقا.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني