الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

شرح حديث أبي موسى إلى قراء أهل البصرة
رقم الفتوى: 48432

  • تاريخ النشر:الإثنين 21 ربيع الأول 1425 هـ - 10-5-2004 م
  • التقييم:
10073 0 297

السؤال

أرجو بارك الله فيكم، تفسيراً لحديث أبي موسى الأشعري في صحيح مسلم (الزكاة) باب لو كان لابن آدم.. حديث رقم 1050؟ وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فقد قال الإمام مسلم في صحيحه، حدثني سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن داود عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائمة رجل قد قرؤوا بالقرآن فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف بن آدم إلا التراب، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة.

ومعنى الحديث أن أبا موسى رضي الله عنه أرسل إلى أهل القرآن في مدينة البصرة فأتاه ثلاثمائة رجل، فأثنى عليهم بما أكرمهم الله من الخير به، وأمرهم بتلاوة القرآن، ونهاهم عن استطابة مدة البقاء في الدنيا مخافة أن تقسو قلوبهم، قال السيوطي في شرح مسلم: ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، أي لا تستطيبوا مدة البقاء في الدنيا فإن ذلك مفسد للقلوب بما يجره إليها من الحرص والقسوة حتى لا تلين لذكر الله ولا تنتفع بموعظة أو زجر.

والمراد بمن قست قلوبهم أهل الكتاب كما قال الله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].

ثم نصحهم بعدم الحرص على الاستكثار من المال، واحتج في ذلك ببعض القرآن المنسوخ لفظه الباقي معناه فقال: وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة.. إلخ

وقوله: كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها، قال السيوطي: هذا من المنسوخ تلاوة الذي أشير إليه بقول الله تعالى: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:106]، فكان الله ينسيه الناس بعد أن حفظوه ويمحوه من قلوبهم، وذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة إذ لا نسخ بعده، قال القرطبي: ولا يتوهم من هذا أو شبهه أن القرآن ضاع منه شيء فإن ذلك باطل، قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

ومعنى قوله: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، أنه لو ملك مالاً كثيرا لطلب وتمنى مثله، وفيه ذم الاستكثار من جمع المال وتمني ذلك، كما قال ابن حجر في الفتح: ومعنى قوله: ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، يعني أنه لا يسد بطنه إلا التراب، ويدل لذلك ما في رواية أخرى: ولا يملأ بطنه، وفي رواية أخرى: ولا يسد بطنه، كذا قال ابن حجر.

والمراد أنه لا يشبع حتى يموت فيحشى من تراب القبر، قال النووي في شرح مسلم: معناه أنه لا يزال حريصا على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه من تراب قبره، قال: وهذا خرج على حكم غالب بني آدم في الحرص على الدنيا.

والمراد بالمسبحات السور التي ذكر في أولها سبح ويسبح كما قال صاحب عون المعبود، وقوله: لم تقولون ما لا تفعلون، ذكر المفسرون في تفسير سورة الصف أن المسلمين قالوا: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله تعالى لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فأنزل الله: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، فكره ذلك بعضهم، فأنزل الله تعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف:2]، قال القرطبي: هذه الآية توجب على كل من ألزم نفسه عملا فيه طاعة أن يفي بها. واستدل بحديث أبي موسى هذا الذي سأل عنه السائل، ثم ذكر القرطبي أن قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، ثابت في الدين لفظاً ومعنى، في هذه السورة يعني الصف، وأن قوله: فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة ثابت في الدين معنى، فإن من التزم شيئاً لزمه شرعاً، ومثل القرطبي لذلك بالنذر والوعد، ثم ذكر أن الوعد المعلق مثل قولك لشخص: إن تزوجت أعنتك بكذا فيجب الوفاء به وأن غيره لا يلزمه، وفي المسألة خلاف بين العلماء، يرجع إليه في الفتوى رقم: 12729، والفتوى رقم: 44575.

ومعنى قوله: فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة أن من الزم نفسه بشيء تكتب شهادة منه عليه بذلك وسيسأل عنه يوم القيامة.

والله أعلم.

 

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: