الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

معنى "وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن.."
رقم الفتوى: 53185

  • تاريخ النشر:الخميس 25 رجب 1425 هـ - 9-9-2004 م
  • التقييم:
33772 0 460

السؤال

جزاكم الله خيرا على جهودكم العظيمة في هذا الموقع ونفع الله بجهودكم الإسلام والمسلمين وبعد، فسؤالي عن المراد بمعنى ( التردد ) في قوله تعالى في الحديث القدسي : وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته. رواه البخاري. وهل نستطيع أن نقول إن هذا التردد صفة لله تعالى وهل هو صفة معنى أو غير ذلك ؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فإن التردد في قبض نفس المؤمن صفة فعلية خبرية ثابتة لله تعالى على ما يليق به سبحانه ( ليس كمثله شيء)، والدليل حديث أبي هريرة المذكور في السؤال، وقد بسط الكلام عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى فقال: قالت طائفة: إن الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لايعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب. والتحقيق أن كلام رسوله حق، وليس أحد أعلم بالله من رسوله ولا أنصح للأمة منه ولا أفصح ولا أحسن بياناً منه. ولكن المتردد منا وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور، لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزله ما يوصف به الواحد منا، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ثم هذا باطل فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهل منه بالشيء الواحد الذي يُحب من وجه ويكره من وجه، ومثل هذا إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي الصحيح ( حفت الجنة بالمكاره) وقال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في الحديث. فإنه قال: لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوباً للحق محباً له يتقرب إليه أولاً بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة بحيث يحب ما يحب محبوبه، ويكره ما يكره محبوبه، والرب يكره أن يسيء عبده ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه، والله سبحانه وتعالى قضى بالموت، فكل ما قضى به فهو يريده ولا بد منه، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه وهو مع هذا كاره لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادا للحق من وجه، مكروها له من وجه. وهذا حقيقة التردد. اهـ , من مجموع الفتاوى بتصرف. فعلم من هذا النقل أن إطلاق وصف التردد على الله لا يجوز إلا مقيداً بقبض نفس المؤمن، ومعناه هو ما ذكره ابن تيمية.

قال الشيخ ابن عثيمين ( في لقاء الباب المفتوح): إثبات التردد لله عز وجل على وجه الإطلاق لا يجوز، لأن الله تعالى ذكر التردد في هذه المسألة: ما ترددت في شيء أنا فاعله. الحديث. وليس هذا التردد من أجل الشك في المصلحة، ولا من أجل الشك في القدرة على فعل الشيء، بل هو من أجل رحمة هذا العبد المؤمن، ولهذا قال في نفس الحديث: يكره الموت وأكره إساءته ولا بد له منه. وهذا لا يعني أن الله موصوف بالتردد في قدرته أو عمله بخلاف الآدمي. اهـ.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: