الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

داوم على الرقية والأذكار وخذ بأسباب العلاج المادي
رقم الفتوى: 5531

  • تاريخ النشر:الثلاثاء 5 ربيع الآخر 1422 هـ - 26-6-2001 م
  • التقييم:
19934 0 479

السؤال

السلام عليكم أنا فلسطيني أبلغ من العمر 38 سنة و أعيش في بريطانيا منذ عشرين سنة حيث ذهبت للدراسة، أنا شخص ملتزم دينياً دائماً لدرجة أنني عشت في مسجد في بريطانيا لمدة ست سنوات. و بعد وجودي هناك بسنة و نصف بدأت أعراض إرهاق مؤلم و صداع نصفي تظهر و شد عضلات مؤلم جداً، و مع الوقت استفحلت. و في عام 93 توقفت عن دراسة الدكتوراة و كنت قد أنهيت سنتين منها، و كان أملي أن أتوقف سنة لأجد حلاً لمشكلتي الصحية، و لكن لم أستطع العودة للدراسة و لا العمل بسبب المرض. حيث أنني الآن مسجل رسمياً في الدولة كمعاق عن العمل مؤقتاً. أجريت جميع الفحوصات الدقيقة على أيدي كبار الخبراء البريطانين، كما بقيت مع أخصائي الطب النفسي 4 سنوات و مع عالم النفس فترة كافية، و أجريت العلاج بالطب البديل و الإبر الصينية عملتها في بريطانيا و كذلك في الصين. جربت الذهاب لعلماء دين من أجل الرقيّة الشرعية أو معرفة إن كان هناك أي مشكلة من الجن، و كان آخر هؤلاء العلماء، الشيخ العامري في المدينة المنورة في رمضان الماضي حيث قضيت شهر رمضان بين مكة و المدينة. جميع الفحوصات الطبية و النفسية و قراءة المشايخ لم تثبت وجود أي مشكلة، عدا أن الشيخ العامري قال إنها ربما عين، و لكنني اتبعت ما طلب مني و لم يحدث أي تحسن. في صيف 1999 ذهبت إلى شخص باكستاني في بريطانيا و كنت أعتقد أنه يرقي، و أعطاني حجاب للبسه، و قرأ عليّ و لكنني لم أفهم ما كان يقول لأنه بالأوردو ولكنه كان يقرأ أيضاً بعض الآيات. و بعد لبسي للحجاب شفيت كما لم يحدث من قبل لدرجة أنني كنت أمشي يومياً ثلاث ساعات دون توقف لأمرن عضلاتي المترهلة ثم أعمل على الحاسوب حوالي أربع ساعات و لم أكن أشعر بالتعب. و لكن بعد خمس أسابيع ذكرت لأحد الأخوة قصة الحجاب فقال لي إنه حرام وإن به أسماء شياطين، و أقنعني بفتحه و فعلاً وجدنا بالورقة آيات قرآنية و أسماء شياطين و أرقام، فقمنا بحرقها على الفور. و بمجرد ما فعلنا ذلك عادت أعراض المشكلة الصحية كما كانت. و بعد ذلك بأيام شاهدت بمحطة (اقرأ) أحد علماء الدين يذكر أن الحُجب حرام و أن من يذهب لهؤلاء الناس لا تقبل صلاته 40 يوماً، مما حفزني أن أذهب إلى مكة و المدينة في رمضان الماضي علّ الله يغفر لي. سؤالي: الآن و قد سدت جميع طرق إيجاد علاج، و قد خربت حياتي بشكل تام، فلا أعمل و لا أدرس و لم أتزوج بالإضافة إلى أنني أعيش بألم شديد في الغربة، هل يجوز لي العودة إلى ذلك الدجال لعمل حجاب. و أتمنى إعطائي جواباً عملياً، لأن القول إن عليّ أن أصبر وأحتسب ليس عملياً بعد حوالي 18 سنة من الألم الشديد و الوحدة وضياع العمر، و لا أعرف كيف سيحاسبني ربي على شبابي الذي ضاع هباءً منثورا.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فإن الله تعالى يبتلي من شاء من عباده، بما شاء من الأمراض والأوجاع، تكفيراً لسيئاتهم، ورفعاً لدرجاتهم.
وشرع الله تعالى لعباده طلب الدواء والبحث عنه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحداً. قالوا: يا رسول الله ما هو: قال: الهرم" رواه أصحاب السنن.
والأدوية إما حسية يعرفها الأطباء بالتجربة والبحث.
وإما معنوية وهي الرقية بالقرآن والأدعية النبوية والكلمات النافعة.
والقرآن الكريم كله شفاء ورحمة، كما قال تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة) [الإسراء: 82].
وفي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك".
ولهذا اشترط بعض أهل العلم أن تكون الرقية باللسان العربي وما يعرف معناه،خوفاً من استعمال ألفاظ شركية أو أسماء شياطين ونحو ذلك مما أشرت إليه في سؤالك. والرقية إنما تكون بالقراءة والنفث على المريض، أو بكتابة ذلك ومحوه بالماء وشربه، أما تعليقه على الإنسان فهذا ممنوع، لنهي الشرع عن تعليق التمائم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" رواه أحمد وأبو داود. وقوله: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له" رواه أحمد وأبو يعلى والحاكم.
والتميمة إن كانت مشتملة على ألفاظ غير عربية، أو أسماء بعض الشياطين فهي محرمة اتفاقاً، وإن كانت من القرآن أو الحديث فهي محرمة أيضا على الصحيح من قولي العلماء من باب سد الذرائع.
ومن هذا يعلم أنه لا يجوز لك العود إلى تعليق ما أسميته بالحجب، وأنه يجب عليك التوبة إلى الله مما سبق.
بل لايجوز لك الذهاب إلى الدجال المشعوذ، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد" رواه أحمد والحاكم.
وقوله: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" رواه مسلم.
وأما طريق العلاج الصحيح فنلخصه لك فيما يلي:
1- أن تلجأ إلى الله تعالى، وأن توقن أن الشفاء من عنده، وأن الأمر كله بيده.
2- أن تداوم على ذكر الله تعالى وقراءة القرآن، لا سيما أذكار الصباح والمساء والنوم والأكل والشرب والدخول والخروج، فإن الذكر جُنّة حصينة يتحصن بها الإنسان من الشيطان وجنده، ومن السحرة والعائنين وغيرهم.
3- أن تستعمل الرقية الشرعية، وأن تكررها حتى يذهب الله ما بك من بأس وقد سبق لنا بيان صفة الرقية، انظر الفتوى رقم: 4310
4- أن تعلم أن الرقية مع كونها سبباً للشفاء، فقد لا تنفع أحياناً، لكونها صادفت محلاً غير قابل، كأن يكون المرقي ضعيف التوكل، غير موقن بأثر الرقية، أو يكون واقعاً في محرمات تمنع استجابة دعائه كأكل الحرام من الربا وغيره.
أو يكون المنزل مشتملاً على منكرات تجلب الشياطين وتمنع دخول الملائكة، كالتماثيل والصور المعلقة والكلاب، ووسائل اللهو المحرم كالأغاني والأفلام الخليعة.
فاجتهد في التخلص مما ذكر، وأقبل على ربك في الثلث الأخير من الليل، وسله العافية والشفاء والرحمة، وتذكر قوله تعالى: (إن مع العسر يسرا) واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب.
نسأل الله أن يشفيك ويعافيك.
ونذكرك بالصبر والاحتساب على كل حال، فإن حال العبد دائرة بين نعمة توجب الشكر، أو بلاء ومصيبة توجب الصبر. وعندما نذكرك ملازمة الصبر والاحتساب، فليس هذا بديلاً عن السعي في طلب العلاج، ولكن رغبة منا في أن تلقى جزاء ما أصابك من بلاء موفوراً عند ربك. فإن "من رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط" كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. فلا تزهد بأجر الصابرين، واستصحب هذه النية، فإنك إن خسرت شيئاً من الدنيا فستربح الآخرة بإذن الله، وما عند الله خير وأبقى.
والله تعالى أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: