الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

السؤال

المعروف أن الربا محرم قليله وكثيره بناء على العديد من الأدلة مثل: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة}، ومن السنة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم، أشد من ستة وثلاثين زنية. رواه أحمد، وهناك العديد من الدلائل، ولكن هناك من يستدل بهذه الأدلة على جواز القليل من الربا، بناء على الآية السابقة، واحتج به من يرى أن قليل الربا يجوز لقوله تعالى "أضعافاً مضاعفة"
أما الحديث المذكور أعلاه، فهو يدل على عظم جرم الربا حتى وإن كان قليلاً، وليس على تحريم قليله... فكيف يمكن الرد عليهم؟ بارك الله فيكم.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فقد أجمع المسلمون على تحريم الربا، قليله وكثيره، استدلالاً بعموم الآيات والأحاديث القاضية بتحريم الربا دون فرق بين قليل وكثير، ومضاعف وغير مضاعف، قال الإمام ابن عبد البر: أجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم -صلى الله عليه وسلم- أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف -كما قال ابن مسعود- أو حبة واحدة.

وقال الإمام ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا اشترط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا.

ومن الأدلة التي استند إليها العلماء في هذا الإجماع، الحديث المذكور في السؤال، فإنه صريح في التحريم، إذ جعل النبي صلى الله عليه وسلم أكل الدرهم أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية، ومعلوم أن حرمة الزنا قطعية. وليس في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً {آل عمران:130}، ما يدل على إباحة القليل من الربا، لأن الآية جاءت بحسب الواقع، إذ كان الرجل منهم يربي إلى أجل ثم يزيد فيه زيادة أخرى حتى يستغرق بالشيء الطفيف مال المديون.

قال الإمام ابن كثير في تفسيره: يقول تعالى ناهياً عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافاً مضاعفة كما كانوا في الجاهلية يقولون: إذا حل أجل الدين إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه، وإلا زاده في المدة، وزاده الآخر في القدر، وهكذا كل عام فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيراً مضاعفاً.

وقال الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- في كتابه في ظلال القرآن عند تفسير هذه الآية: ولقد سبق الحديث عن الربا والنظام الربوي بالتفصيل في الجزء الثالث من هذه الظلال، فلا نكرر الحديث عنه هنا... ولكن نقف عند الأضعاف المضاعفة، فإن قوماً يريدون في هذا الزمان أن يتواروا خلف هذا النص، ويتداروا به، ليقولوا: إن المحرم هو الأضعاف المضاعفة، أما الأربعة في المائة والخمسة في المائة والسبعة والتسعة... فليست أضعافاً مضاعفة، وليست داخلة في نطاق التحريم!

ونبدأ فنحسم القول بأن الأضعاف المضاعفة وصف لواقع، وليست شرطاً يتعلق به الحكم. والنص الذي في سورة البقرة قاطع في حرمة أصل الربا، بلا تحديد ولا تقييد (وذروا ما بقي من الربا).. أياً كان!

فإذا انتهينا من تقرير المبدأ فرغنا لهذا الوصف، لنقول: إنه في الحقيقة ليس وصفاً تاريخياً فقط للعمليات الربوية التي كانت واقعة في الجزيرة، والتي قصد إليها النهي هنا بالذات، إنما هو وصف ملازم للنظام الربوي المقيت، أياً كان سعر الفائدة... فهي عمليات متكررة من ناحية، ومركبة من ناحية أخرى، فهي تنشئ مع الزمن والتكرار والتركيب أضعافاً مضاعفة بلا جدال.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني