الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الهجر فوق ثلاث يجوز في أحوال دون أحوال
رقم الفتوى: 63885

  • تاريخ النشر:السبت 19 جمادى الأولى 1426 هـ - 25-6-2005 م
  • التقييم:
3791 0 440

السؤال

تصادقت منذ فترة مع شخصين في المواصلات بحكم طبيعة عملي التي تقتضي سفري يوميا لعملي... وهذان الشخصان عندما نتحدث أحيانا يغتابان.. ويقذفان أعراض النساء بدون بينة فنبهتهم على ذلك وقلت لهم لا يجوز ولا تتحدث إلا بما ترى وإن رأيت فلا تتحدث ويجب الستر، وأنا أعلم أنهم يسيؤون الظن وليس لهم بينة فيقولون لي أنت هتعمل فيها شيخ.. ويتضايقون من النصيحة فأقول لهم استغفروا الله فهم لا يعتقدون أنهم مخطؤن فنبهتهم إلى حد القذف في الأعراض أكثر من مرة، ولكن لا يأبهون ويتغامزون ويتلامزون وبهم كبر واحتقار لبعض الناس ثم صاروا يسخرون من لحيتي ومن الملتحين ويفعلون حركات استهزاء باللحية فقلت لهم أتسخرون من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا لا نحن نسخر منك أنت فحذرتهم من السخرية بشعائر الإسلام وأن ذلك خطر كبير وكنت آمل أن ينصلح حال أحدهم لكن أصبحت عندما أحدثه في الأمور الدينية وأسدي له النصيحة بالحسنى فيقول لي انصح نفسك أولا أنت تعتقد أننا شياطين وأنت الملاك وتقرأ أي كتاب ديني وتأتي لتطبقه على أصحابك فقلت له ومن أين أستقي معلوماتي الدينية وكيف أتعلم ديني من غير هذا، وأقول له أنا أنصحك وأنصح نفسي معك لأني لست ملاكا أيضا وأخطئ فينزعج ويتضايق وعندما أواجه بخطئه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بطريقة لينة فيتهمني إني غير طبيعي وعندما أسايره فيما يفعل وأكلمه حسب هواه يقول لي إني رجعت لحالتي الطبيعية.. فترة بفترة أحسست أن إيماني والتزامي بدأ في الانخفاض والتراجع وبدأت اقترف بعض الذنوب من جراء مخالطتي لهم.. فحزنت وبدأت في تجنبهم وتذكرت ما يجنيه المرء من صحبة السوء.. وفي مرة سخروا مرة أخرى من اللحية فنبهتهم وزجرتهم... وقررت مقاطعتهم لأني أحسست أنهم جروا علي البلاء وأنهم لا يرغبون إلا أن أكون مثلهم فيما يفعلوه، وقلت ليس بيني وبينهم غير السلام فقط، ولكني في قرارة نفسي كنت أتمنى كما لو أني لم أعرفهم... بصراحة أصبحت لا أحب أن أراهم.. وأنا أعلم إن رجعت إليهم سيكررون نفس الكلام وتلك الأفعال.. لأني جربت ذلك معهم ولم يتعظوا، والواضح أنهم قاطعوني بسبب الموقف الأخير... فقلت هذا أفضل.. فهل أنا مخطئ في قراري مقاطعتهم وهل أنا هكذا هاجر لأخواني فوق الثلاث أيام أم أنا منافق إذا خاصم فجر خصوصا أنهم لا يرون أنفسهم مخطئين.. وبعدها جاء لي وسواس عندما رددت عليهم في المرة الأخيرة وغضبت من سخريتهم من لحيتي هل غضبت لنفسي أم لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.. أحيانا بيني وبين نفسي أحس أني مرائي ومنافق.. أنا حزين لأني أصبحت مقصرا ولا أجد لذة في ألتزامي وأصبحت لا أقوى على جهاد نفسي.. إن الصبر على أذى الناس من قول أو فعل في هذا الزمان أصبح صعب جدا.. وأحيانا كثيرة أحس أني غريب في وسط الناس فأصبحت أجاريهم في بعض ما يفعلون من أقوال حمقاء أو أسكت عن أفعالهم ولكني ممتعض من داخلي.. واللهم أني أرى أن بعض الناس يتهمون الذين يحاولون أن يكونوا مع الله ويهتموا بتعلم دينهم بالتشدد والغلو والتعصب وهم في الحقيقة هم المتعصبون لأهوائهم متشددون ومتزمتون ولا يقبلون الرأي الآخر ووالدي يقول لي داري الناس ما دمت في دارهم ولا تجلب لنفسك المشاكل وخليك في حالك أنا دائما في حالي ولا أفرض نفسي على أحد.. واللهم أني أحيانا كثيرة بيني وبين نفسي أكون حزينا على حالي وحال الناس وأقول كيف سيكون للإسلام عزة ومنعة ونحن مغيبون هكذا وكل واحد فينا همه أن يأكل ويشرب ويلبس ويعمل.. هل هذا كاف للنجاة من العذاب ودخول الجنة ورضي الله علينا لا أدري كأن الواحد مساق إلى هاوية وهو يعلم ومعه عدة النجاة ولا يفعل شيئاً لإنقاذ نفسه فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فما بينته من حال هذين الشخصين اللذين تصادقت معهما وقد ذكرت أنهما يغتابان الناس ويقعان في أعراض النساء بدون بينة، ويتضايقان من النصيحة، ويتغامزان ويتلامزان وبهما كبر واحتقار لبعض الناس، ثم صارا يسخران من لحيتك ومن الملتحين ويفعلان حركات استهزاء باللحية، وقد أدى حالهما معك إلى ما ذكرته من إحساس بأن إيمانك والتزامك بدأ في الانخفاض والتراجع، وأنك بدأت تقترف بعض الذنوب من جراء مخالتطك لهما... إلى آخر ما ذكرته من حالك معهما، كله يحتم عليك الابتعاد عنهما وترك مخالطتهما.

وعليه؛ فما قررته من مقاطعتهما وأن لا يكون بينك وبينهما غير السلام فقط، هو الصواب، ولست مخطئاً إذاً فيه، مع أن الأصل حرمة هجران المسلم فوق ثلاث، لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام. رواه البخاري.

ولكن أهل العلم قد أباحوا الهجر فوق ثلاث لمن كانت مكالمته تجر ضرراً على المرء، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث، لمن كانت مكالمته تجلب نقصا على المخاطب في دينه، أو مضرة تحصل عليه في نفسه أو دنياه، فرب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية.

وأقر العلماء أن من أسباب الهجر الشرعي فوق ثلاث هجران أصحاب المعاصي المجاهرين بها، وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم المتخلفين عن غزوة تبوك من غير عذر، كما في قصة كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم، وما يقوله لك والدك من مداراة الناس ما دمت في دارهم، وأن لا تجلب لنفسك المشاكل، وينبغي ألا يكون على حساب تغيير المنكر، كما ينبغي تنبيه الوالد على أن ذلك لا يتنافى مع وجوب ابتعادك عما يجلب لك الضرر، ومقاطعة أهل السوء.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: