الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مشاكل الشباب العربي

مشاكل الشباب العربي

مشاكل الشباب العربي

تكتسب الأمة صفتها من حجم الطاقة الفاعلة فيها (الشباب) التي يعوّل عليها في النهضة والبناء فيقال : أمة فتية وأخرى هرمة لغلبة نسبة المسنين فيها وقلة الشباب ، ولذلك ساد في أدبياتنا مقولة "الشباب عصب الحياة" . من هنا تأتي ضرورة بحث وتتبع المشاكل التي تعوق تقدم الشباب ومسيرتهم لأنهم يشكلون الأمل المنشود في تجديد بناء الأمة وبعث نهضتها ، ومن المسلّم به أن الشباب العربي يعاني من أزمات كثيرة ومتعددة في سياق أزمة الأمة ككل ؛ لأن الأمم حينما تتأزم تشمل أزمتها كل فرد فيها ، وعى ذلك أم لم يعِ لأن ذلك ينعكس على مسيرة الأمة ككل ، ومحاولة منا لتوصيف مشاكل الشباب توصيفـًا أكثر مصداقية وواقعية عمدنا إلى استطلاع آراء جماعة منهم من المقيمين في الدوحة وكانت البي بي سي نشرت في زاويتها "مساحة للحوار" بتاريخ 29/10/2000م تعليقات عدد كبير من الزوار على مشاكل الشباب بمناسبة عقد المكتب الإقليمي لمنظمة رعاية الطفولة "اليونيسيف" التابعة للأمم المتحدة ملتقى الشباب العربي في عمّـان تحت رعاية الملكة رانيا من أجل وضع قضايا الطفولة والشباب على رأس الأولويات في الألفية الجديدة وقد أفدنا منها أيضـًا ، وجوهر التعليقات والآراء التي سنتعرض لها في هذا التحقيق هي إجابة على التساؤل القائل : ما الذي يحتاجه الشباب في العالم العربي ؟ وما هي المشاكل التي يعاني منها ؟ .

ويعتبر هذا السؤال مُلحـًا وضروريـًا في هذه المرحلة بالذات ، حيث تجتاح العالم ثورات مختلفة أبرزها ثورة الاتصالات والتكنولوجيا ، وكذلك تكاد الحياة تنتظم على إيقاع "العولمة" رغم كل الصيحات التي تتعالى في كل مكان محتجة ورافضة لذلك "التنميط / العولمة" الذي اختُزل بـ "الأمركة" الثقافية والسياسية والاقتصادية ، أقول : يعتبر ذلك التساؤل ضروريـًا لنرى مدى تأثير تلك التغيرات التي تجتاح العالم على وعي الشباب ورؤيتهم لواقعهم ، وما الذي يأملون تحققه في المستقبل ؟
تفاوتت الحاجات وتنوعت بطبيعة اختلاف الأشخاص واهتماماتهم ، فشملت الجانب الديني والسياسي ، الراهن والقديم المتجذر ، كما شملت الأخلاقي والشخصي والوجودي والفكري والاقتصادي .

ضياع الهوية
يجيب ناصر الدين صلاح الدين / مصر على سؤالنا فيقول : "أخطر وأكبر مأساة يواجهها الشباب المسلمون ضياع الهوية الإسلامية والعربية نتيجة سيطرة الإعلام اليهودي على الإعلام العربي والتغلغل الثقافي والتشويه والتشكيك في الأصول والفروع الاعتقادية والاجتماعية" . ويتابع عدنان حسن/ لبنان ما بدأه ناصر الدين فيقول : نحتاج أولاً : لتحديد مفهوم صحيح وواضح ومتفق عليه للهوية العربية يتم اعتماده في كافة الدول العربية ، ثانيًا : وضع رؤية متكاملة للواقع الذي يعيشه الشباب العربي ، ثالثًا : التركيز على المشاكل الاقتصادية ووضع الحلول لها.. رابعًا : التشديد على مبدأ التسامح والتطور والانفتاح على الحضارات والثقافات المختلفة والتعلم منها ، والتفاعل معها والمحافظة على الجذور والقيم " .

الحرية… الديمقراطية… تطبيق الشريعة
ولا يغيب البعد السياسي عن مطالب واحتياجات الشباب العربي فتراهم يؤكدون على قضايا الحرية والديمقراطية وتطبيق الشريعة الإسلامية في ظل العلاقة مع الحكومات ، يقول أشرف بسيوني : "رغبة العديد منا.. أن يقيم الحكام الشريعة الإسلامية" ، وتتابع إيمان عبد المقصود : "لو تركتنا أمريكا لحالنا ومصيرنا ولو وجدنا حرياتنا فإننا سنتوصل إلى قرار مفاده أن الإسلام هو الحل ، عندئذٍ ستحل مشاكلنا" . أما أحمد قناوي/ مصر فيركز على قضية الديمقراطية قائلًا : "الشباب في العالم العربي بحاجة ماسة للديمقراطية ، والغرب لن يكون سعيدًا في تلك الحالة ، الديمقراطية هي التي ستحرر القدس" .

الحياة الكريمة .. الزوجة الصالحة
وفي حين يركز بعضهم على القضايا السياسية تشغل آخرين قضايا اجتماعية وشخصية من الحياة السعيدة والزوجة الصالحة ، والعمل المناسب الذي يوصلهم إلى تحقيق ذلك . وهو ما ركّز عليه سامي عباس / السودان ، ومعاوية سليم/فلسطين ، ومصطفى محمود/مصر ، لكن أنور هديب / الأردن يضيف إلى ذلك "مشكلة أوقات الفراغ الكبيرة التي لا يستطيع الشباب أن يملأها نظرًا لعدم اهتمام المسؤولين بهذه المشكلة" على حد تعبيره .

فلسطين… العراق
وثمة حضور واضح للأزمة الراهنة "فلسطين" لدى بعض المشاركين ، يقول كفاح مصطفى / الكويت : "يحتاج الطفل العربي إلى توفير الأمن والأمان له وتقديم الحماية له من القتل كالذي حصل للشهيد الطفل (12) سنة محمد الدرة والطفلة الشهيدة (سنتان ونصف) سارة .. على أيدي الصهاينة…" ، ويتمنى أشرف بسيوني على الحكام أن يسمحوا لنا بالخروج إلى الجهاد والدفاع عن الأراضي الفلسطينية وكل أراضي الإسلام" .
وفي المقابل يؤكد سليم حامد على مشكلة أطفال العراق ويعتبرها المشاكل الأكثر إلحاحـًا لأنهم يموتون يوميـًا بسبب الحصار الجائر ضد الشعب العراقي من أمريكا وبريطانيا .

التخوف من الغرب
وبرز إلى جانب الاهتمام بالهوية الإسلامية ، التخوف من الغرب وثقافته ، وقد عبّر ناصر الدين صلاح الدين/مصر عن استيائه من التغلغل الثقافي والتشويه والتشكيك في الأصول والفروع الاعتقادية والاجتماعية كما سبق . ويحمّل محمد الحضارة الغربية مسؤولية التفكك الأسري وارتفاع نسبة الجريمة في المجتمع والشعور بالفراغ وعدم وجود هدف راقٍ يسعى إلى تحقيقه الشباب" .
في حين يبدي نبيل هديب/أردني تخوفه فيقول : "هناك انفتاح مثير على الحياة الغربية بكل جوانبها ويعود ذلك لتقصير الإعلام العربي وعدم إيجاد طرق لجعل الشباب العربي يحافظون على هويتهم" . وفي المقابل ينطلق شاب مصري مغترب (كما وقـَّع) من الشعور بالأزمة قائلاً : "أرجو أن تكف وسائل الإعلام والتعتيم عن تصوير الشباب الغربي على أنهم لا يعرفون شيئـًا سوى السكر والإباحية حتى لا نصدق بأننا أفضل منهم" .

التربية وأزمة المربين
"أعظم ما يحتاجه الشباب المعاصر اليوم هو تربية إسلامية جادة تؤهله لأداء أمانة الله وتبليغ رسالة الله … عقيدة ومنهج حياة" هكذا يجيب سعيد سالم / اليمن على سؤالنا ، بينما يرى محمد هشام "أن المشكلة الحقيقية هي غياب الوعي الديني والثقافي والسياسي إلا ما ندر.. والمشكلة الأساسية في من يقومون بتربية الشباب ومقدار وعيهم العام وما هي اتجاهاتهم ، والتربية - يتابع محمد - ليست فقط من الأب والأم وإنما هي من المدرسة والإعلام بوسائله والدولة واتجاهاتها" .

الفجوة… الصراع
"يعاني الشباب العربي من عدم إعطائهم حرية الرأي والفكر ، كذلك الشعور بالفجوة وعدم التواصل بين الجيل القديم والجيل الجديد.." هذا ما أجاب به نبيل هديب / أردني ، في حين يقول أحمد الشاهد/مصري : "إن مشكلة الشباب تتجسد في "الصراع بين محاولة التمسك بالقيم الدينية والروحية ، وبين مغريات العصر وفتنه ، وعجز الشباب عن امتلاك الوسائل المادية التي تقيه شر ذلك الصراع لأن البعض منهم - وللأسف - لا يعتقد أن الوازع الديني سلاح كافٍ لحسم ذلك الصراع" .
إنّ هذه الإجابات تعكس وعيـًا كبيرًا بالأزمة ، وهي خطوة مهمة نحو الحل ، وبقدر ما هي متنوعة ومعقدة بقدر ما هي مطالب واضحة في أذهان أصحابها ، ومحددة أيضـًا ، ولا شك أن وعي الجيل بدأ يرتقي في ظل تطور الوسائل التكنولوجية (الاتصالات خصوصـًا) التي سهّلت انتقال المعلومات وأتاحت للجيل التعرف إلى الكثير من الآراء والشخصيات بالإضافة إلى خوض الجيل التجارب الحياتية وخصوصـًا من خلال الاغتراب.

وأبرز ما يدلل على ارتفاع الوعي بالواقع وأحداثه ونفوذ وسائل الإعلام والاتصال تناول الشباب لموضوعات مثل : ضياع الهوية ، الانفتاح على الحضارات ، الحرية ، الديمقراطية ، ومن الواضح بروز الهم السياسي والحس الديني معـًا لدى الشباب وهو أمر له دلالته - ربما - في انحسار نفوذ العلمنة في ديار الإسلام ، وإن كنا نقر بأن الهم السياسي البارز يكاد يقتصر على المشاكل الراهنة والمتأزمة كفلسطين والعراق ، وبالنسبة للحس الديني فإنه يكاد يكون عموميـًا كمقولات "الإسلام هو الحل" و"تطبيق الشريعة" مما لا يعكس وعيـًا عميقـًا .

وفي ما يخص العلاقة مع الغرب ، ثمة حضور كبير للموروث الثقافي والتاريخي والديني أيضـًا الذي خلّفه الغرب في ديار الإسلام ، كان آخره (الاستعمار الحديث) ، بل سلوك الغرب الراهن وموقفه من قضايا الأمة الإسلامية وخصوصـًا فلسطين والعراق والمسلمين في كوسوفو وكشمير والفلبين وغيرها من دول الإسلام وهو سلوك لم يختلف أبدًا في جوهره عن الماضي القريب (الاستعمار/العداء) .

لكن أبرز ما يلفت الانتباه من الإجابات ، وينم عن وعي كبير بالأزمة ما أجاب به الشابان أحمد الشاهد ونبيل هديب حيث أكدا على أن ثمة فجوة كبيرة بين الواقع والمبادىء والقيم ، وعدم التواصل بين الجيل القديم والجديد بمعنى فقدان الحوار وعدم تفهّم مشاكل الشباب وطبيعة واقعهم ومتطلباته في ظل التغيرات الكبيرة التي تجتاح العالم ؛ فلا يزال الكبار يدورون في فلك "الماضي" بهمومه وآماله ، مع فقدان الوعي بطبيعة التغيرات ومتطلبات الحياة المعاصرة والجيل الجديد .

الفجوة بين الواقع والمبادىء هي أهم القضايا الإشكالية التي تُهم الشباب ، ذلك أنه وجد نفسه يحمل مجموعة من القيم والعادات والتقاليد والتصورات والأفكار لا يستطيع أن يدخل بها العالم المعاصر بتغيراته ووسائله وأدواته الآخذة في التغير المستمر ، هنا يجد نفسه مشدودًا نحو القيم ، الموروث الأصيل الذي يشكل له رأس ماله الرمزي ، وكذلك يجد نفسه مشدودًا نحو واقعه الذي يُفرض عليه بحضوره الطاغي لأنه في النهاية "واقع" . لكن يجب أن نقر هنا أن هذه الفجوة لن تزول إذا أردنا أن نتحلى بالصراحة مع النفس ومع الآخرين ، ذلك أن المبادىء لا تعدو أن تكون تجريدية ، بينما الواقع : واقع ، أي أنه أحداث مشخصة ، ولا يمكن أن يكون هناك تطابق كامل بين المجرد والمشخَّص . نعم يمكن تضييق تلك الفجوة وهو أقصى ما يسعى إليه الإنسان .

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة