الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تميز المسلم في زيه ومظهره

تميز المسلم في زيه ومظهره

تميز المسلم في زيه ومظهره

الثياب لا شك بطاقة هوية، وإشارة كاشفة لنوع صاحبها، وجنسه، وجنسيته، ومعتقده، وأخلاقه، ومستواه الاجتماعي، وغير ذلك من الدلالات.

وخلط النسب فيها يحدث نوعًا من الفوضى الاجتماعية والقيمية، فلو لبس الصالح ثياب الزنديق، لعد ذلك سقوطًا وذنبا، ولو لبس المسلم ثوب القسيس لعد ذلك جنوحًا، ولو لبس الحلاق ثوب الطبيب لعد ذلك تزويًرا وجريمة، ولو لبس الرجل ثوب المرأة – أو العكس – لعد ذلك انحرافًا وشذوذًا!

كما تتفاوت أزياء الشعوب في دلالاتها وأنواعها وأشكالها، وهذا كله مشاهد ملحوظ.

وتصر الشريعة على التمايز في الزي، ذي الدلالة والفصل، فلا يلبس الرجل لبسة المرأة، ولا المسلم لبسة الكافر، ولا المستقيم لبسة المستهين، ولا غير المختص لبسة المختص.
فقال صلى الله عليه وسلم في حديث أحمد وغيره: [من تشبه بقوم فهو منهم].

وقد كتب عمر رضي الله عنه إلى عتبة بن فرقد واليه بأذربيجان ـ كما ورد في صحيح مسلم وغيره: (يا عتبة بن فرقد... فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبوس الحرير).

وفي حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه في الصحيح: [نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه].

المحاربة على الظاهر
والمشابهة تكون – في أساسها - في الظاهر، لتعكس المشابهة في الباطن، لذا فقد عنيت الشريعة بالظاهر، واهتمت بالزي، وبالمشية، وبالجِلسة، وبالصوت، وبالضحكة، لما لذلك كله من دلالات وأبعاد لا تخفى.

ولذلك أيضًا يجتهد الظلمة في مواجهة الظاهر، وإعلان الحرب عليه بشكل سافر لا هوادة فيه:
فقد حارب أتاتورك الطربوش العثماني بضراوة لصالح القبعة الأوربية، فلبسها وألبسها الناس، وتبعه في مصر عبد الناصر الذي خلع الطرابيش عن رؤوس الأفندية؛ لما له من دلالات تاريخية ودينية.

ويحارب الغرب، كما تحارب الأنظمة التابعة له في بلاد المسلمين، الحجاب واللحية، بشكل ضارٍ ومتطرف، لدلالته على هوية لا يريدونها، ولا يقبلونها، ويصمونها بكل أشكال التحقير والإساءة والتشويه.

كما يحارب الغرب إقامة المنائر على المساجد بشكل سافر، وفج - بل وعدواني في كثير من الأحيان - ويستفزون المسلمين بين الحين والحين؛ بتدنيس المصحف، أو رسم شعارات، وإهانة رموز.

وما ذلك كله إلا لأهمية الظاهر، وما يدل عليه، ومن هنا ندرك حكمة الشريعة في لفت النظر لأهمية الظاهر، وإصرارها على عدم التشبه:
قال ملا علي القاري في (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح/ كتاب اللباس): [من تشبه بقوم]: أي من شبه نفسه بالكفار مثلًا في اللباس وغيره، أو بالفساق، أو الفجار، أو بأهل التصوف والصلحاء الأبرار (فهو منهم): أي في الإثم والخير.
قال الطيبي: هذا عام في الخلق والخلق والشعار، ولما كان الشعار أظهر في التشبه ذكر في هذا الباب.

ملحوظتان مهمتان:
أولًا: القصد سبب رئيسي في الإثم:
فمن تشبه بجهل، أو بغير قصد، ولا يعلم أن سلوكه مرفوض شرعًا، أو تشبه بما لا يرضاه الله تعالى، أو ظن أنه أمر لا إثم فيه، فهو غير مؤاخذ – والله تعالى أعلى وأعلم؛ فقد قال تبارك وتعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم، وكان الله غفوًرا رحيًما}(الأحزاب:5)، وقال صلى الله عليه وسلم: [إنما الأعمال بالنيات؛ وإنما لكل امرئ ما نوى...](متفق عليه).

وهناك مواقف عدة عذر فيها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابها بالنية، كما في حديث سيدي أبي واقد الليثي أن رسول صلى الله عليه وسلم - حين أتى حنيناً – مر بشجرة يعلق المشركون عليها أمتعتهم وأسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط! فقال صلى الله عليه وسلم: {الله أكبر؛ هذا كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلًها كما لهم آلهة؛ لتركبن سنن الذين من قبلكم].

وفتوى العلماء أن مثل هذا يعلمَّ، ويوضح له الحق، ثم يعذر بعد أو لا يعذر.
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله تعالى فيمن أتى شيئاً عظيًما – أعظم من أمر التشبه – وهو لا يعلم أنه عظيم مكفر، مثل المستهزئ بالدين، أو ساب الدين، أو الرسول صلى الله عليه وسلمَّ، أو القرآن العظيم؛ هل يكفر ولو كان جاهلًا؟!
فقال: هذا الباب كغيره من أبواب الكفر يعلم ويؤدب، فإن علم وعاند بعد التعليم والبيان كفر. وإذا قيل: لا يعذر بالجهل، فمعناه يعلم ويؤدب وليس معناه يكفر ا.ه فتاوى ورسائل. ( سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي 173:1)

الثاني: أننا سنقلد الأمم، ونتورط في التشبه:
فقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم – وهو الصادق المصدوق – من ذلك، ورأيناه بأعيننا، فقد قال الله تبارك وتعالى: {كالذين من قبلكم: كانوا أشد منكم قوة، وأكثر أموالًا وأولادًا، فاستمتعوا بخلاقهم، فاستمتعتم بخلاقكم، كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم، وخضتم كالذي خاضوا؛ أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك هم الخاسرون}(التوبة:69).

وفي حديث الصحيحين، عن سيدي أبي سعيد رضي الله تعالى عن سيدنا النبي: [لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبً را بشبر، وذراعً ا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه)، قلنا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: (فمن؟].

وفي البخاري عن سيدي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عَن سيدي النبي صلى الله عليه وسلم: [لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبً را بشبر، وذراعً ا بذراع)، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقالَ صلى الله عليه وسلم: ومن الناس إلا أولئك؟!]
.......
نعوذ بالله تعالى من مضلات الفتن؛ ما ظهر منها، وما بطن!

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة