الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

معينات على مواجهة الشهوات

معينات على مواجهة الشهوات

معينات على مواجهة الشهوات

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:
فلا شك أننا في زمان قد فتحت فيه أبواب المغريات، وزادت فيه أشكال الفتن وأنواع الشبهات وألوان الشهوات، وتيسرت أسبابها وطرق الوصول إليها، حتى يمكننا بحق أن نقول: إنه زمان تغول الشهوات.

ولا شك أيضا أن الشباب هم الأكثر ابتلاء وامتحانا والأشد افتتانا والأكثر عرضة للغرق في هذا البحر الخضم، ليس فقط لفورة الشباب وكثرة التقلبات المزاجية والعاطفية ـ وإنما أيضا لصعوبة المعيشة، وصعوبة الزواج وتأخر ـ خصوصا في بلادنا بلاد العرب وبلاد الإسلام.

وإذا عظم داعي الهوى، وسهلت طرق الغواية، وتيسرت أسباب الفتن، أصبح لازما أن يبحث الشاب التقي النقي والشابة العفيفة الطاهرة الشريفة عن العواصم من تلك القواصم، وعن الملجأ والملاذ الواقي من الوقوع فيما حرم الله.

أسباب النجاة:
وصيانة الإنسان نفسه من هذه الفتن يتطلَّب يقظةَ شديدةَ، وعدم غَفْلة عن النفس، مع الصَّبر والقوَّة في طاعة الله، وكمال العقْل، والعمل على صحَّةِ القلب، والبُعْد عن كلِّ ما من شأنِهِ أن يمرضه، والاستعانة بأسباب دفع غوائل الشهوة وسد أبواب المعاصي.. وهذه بعض الأشياء التي ربما تعين الشباب وغيرهم على النجاة والعصمة:
أولا: الدعاء الدعاء..
ودوام الالتجاء لرب الأرض والسماء، ودوام اللهج الاستعانة به، والانطراح بين يديه، وإظهار الفاقة والحاجة، وأنه لا مهرب من هذه الفتن إلا بتوفيقه، ولا عصمة منها إلا لمن عصمه الله وأيده بتأييده، فعليكم إخواني بالدعاء فهو ـ وربي ـ السلاح الذي لا يخون، والسيف الذي لا ينبو، وأحسن ظنك بالله تعالى، وأكثر من قولك: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى). وقولك: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) فقد كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم.

ثانيا: الفرار من مواطن الشهوة ومظان الفتنة:
والابتعاد عن كل ما يثير مكامنها من ألفاظ غزلية، ونكت فاحشة، وقصص هابطة، وروايات تافهة؛ [ليس المؤمن بالطعّان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا بالبذيء][السلسلة الصحيحة:320].. كذلك الفرار من الأماكن العامة، ومنتديات الترفيه والأسواق، وكل مكان فيه اختلاط وتبرج ودعوة إلى الإثارة والإغراءات المحرمة..
فالفرار الفرار.. فإن كان لابد من ارتياد هذه الأماكن، فليكن في أضيق الحدود وعلى قدر الحاجة، مع السَّعيِ في إبعاد المثيرات عن النفس، والفرار منها قدر طاقته؛ كما في الصحيحين عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: [ستكون فِتن، القاعِد فيها خيرٌ مِن القائم، والقائِم فيها خيرٌ مِن الماشي، والماشي فيها خيرٌ مِن الساعي، مَن تَشَرَّف لها تستشرفْه، فمَن وجد فيها ملجأً، أو معاذًا، فليَعُذ به]، فالتعرُّض للفِتن من الذنوب، والمؤمِن الصادق لا يفْعل ذلك بنفسه.

ثالثا: المسارعة إلى الزواج:
وتحصين الفرج واختيار الزوجة الصالحة ـ لمن قدر عليه ـ؛ فبه تحصل العفة، ويتزن العقل، وتخبو الشهوة، وهو من المعينات على غض البصر، وحفظ الفرج، والحماية من الوقوع في المحرم، وهذه وصفة نبوية للشباب كما في حديث بن مسعود قال عليه الصلاة والسلام: [يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج](متفق عليه).
فإن لم يمكنه الزواج فعليه بالإكثار من الصوم، فإنه "وجاء"، قال عليه الصلاة والسلام: [...ومن لم يستطعْ (يعني لم يستطع الزواج) فعليه بالصَّوْم؛ فإنَّه له وجاء]؛ أي: قاطِع للشهوة.

رابعا: تقوية الجانب الإيماني في القلب.. ويكون ذلك بأمور منها:
. تدبُّر القرآن الكريم؛ فإنَّه شفاءٌ لأمراضُ الشبهات والشهوات جميعًا، وفيه مِن البيِّنات ما يميِّز الحقَّ مِن الباطل؛ فيزيل أمراضَ الشُّبهة المفسدة للعِلم والتصور والإدراك، وفيه مِن الحِكمة والموعظة الحسَنة، بالترغيب والترهيب، ما يعالج أمراض الشهوة، مما يُوجِب صلاحَ القلْب، فيرغب القلْبُ فيما ينفعه، ويرْغب عمَّا يضرُّه.

. ومنها: تدريبُ القلْب على إيثار طاعةِ الله والخوف منه بترْك الشهوة المحرَّمة - وإنْ كان فيه الخروج عنِ المال والرِّياسة، وهذا يحتاج إلى مجاهدة للنفس وكف لها عما يؤذيها من المنكرات، وأخذها بالرفق واللين مرة وبالشدة مرات حتى تعتاد على إلف الطاعة وكراهية المعصية، وينبغي الإكثار بالدعاء الرباني: "اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين".

. ومنها: الالتزام بالعبادات، خصوصا الصلوات، فإنها مما يقوي الإيمان، ويبعث على التقوى، ويحفظ من الوقوع في المخالفات {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}، {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}، وهكذا فالعبادات المفروضات من أكبر أسباب زيادة الإيمان في قلوب المؤمنين والمؤمنات.

ومنها: كثرة المطالعة في كُتب الترغيب والترهيب، وأحوال القبور والآخرة، فلا شكَّ أنَّ الاطلاع على أهوال القيامة مِن أعظم ما يقْمَع الأهواء والشهوات؛ كما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: [لو تَعلمون ما أعلم، لضحِكْتُم قليلاً، ولبكيتُم كثيرًا، وما تلذذتُم بالنِّساء على الفُرُش، ولخرجتُم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله]؛ رواه الترمذيُّ وابن ماجه.

خامسا: تقوية جانب المراقبة وخشية الله تعالى
والرغبة فيما عندَه، واستشعار مراقبته - جلَّ جلاله - كأنَّك تراه، وكلَّما اشتدتْ هذه المراقبة، أوجب لك الحياءَ مِن الله من الوقوع في المحرَّمات، ومن الخوف والرجاء ما لا يحصُل بدونها، فالمراقبة أساسُ الأعمال القلبيَّة كلها، وعمودها الذي قيامُها به، ولقدْ جمع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أصولَ أعمال القلب وفروعها كلها في كلمةٍ واحدة، وفي قوله في "الإحسان": [أن تَعبُد اللهَ كأنَّك تراه]. فاجعل الله منك على بال، وخف منه بقدر قربه منك، وبقدر قدرته عليك، ولا تجعل الله أهون الناظرين إليك، واعلم أنك بعينه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وأن نظره إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظر إليه.

سادسا: اختيار البيئة الطيبة:
فإن للبيئة أثرا كبيرا على فكر أصحابها وسلوكهم وحالهم وأفعالهم، فعليك باختيار الرفقة الطيبة والصُحْبة الصالحة مِن المتمسِّكين بدينهم؛ فإن الصاحب ساحب، والمرء على دين خليله، وتحصن دائما بعدم الوحدة، واحذر الاستتار عن عيون الناس، فإنَّ الشيطان مع الواحِد، وهو مِن الاثنين أبعد، وإنه إنما يأكل من الغنم القاصية.

سابعا: إياك والفراغ:
اشغل نفسك دائما إما بالحق والطاعة، وإما بشيء من المباح أحيانا، ولا تتركها فارغة فيفترسها الشيطان، فإن من صادق كلام السلف رحمهم الله: "نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وإن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية"، وهذه قاعدة لا مناص للنفس منها، وقديما قالوا: "إن الشباب والفراغ والجدة .. مفسدة للمرء أي مفسدة".
فإياك والفراغ، واعلم قيمة عمرك فلا تهدره في غير النافع المفيد، واعلم أن أهل الجنة ليس يتحسرون إلا على ساعة لم يذكروا الله فيها، فكيف بمن أضاع وقته وأمضى عمره في المعاصي والشهوات؟.

ثامنا: التفكر في العواقب:
والنظر إلى المآلات وكيفية الحال بعد انقضاء الطاعة أو قضاء الوطر من المعصية، ومن جميل ما قاله الأسلاف: "كم من طاعةِ ذهبَ تعبها وبقي ثوابُها، وكم من معصية ذهبت لذتها وبقيت حسرتها".

فإياك وما يغضب الرحمن وما يخالف التقوى؛ فإن العقوبة بالمرصاد، وإياك والاغترار بالسلامة فإن العقوبة قد تتأخر، ومن الاغترار أن تسيء فترى إحسانًا، فتظن أنك قد سومحت، وتنسى: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}[النساء : 123]. قال ابن الجوزي رحمه الله: من أعظم المحن الاغترار بالسلامة بعدالذنب، فإن العقوبة تتأخر. ومن أعظم العقوبة ألا يحس الإنسان بها، وأن تكون في سلب الدين، وطمس القلوب، وسوء الاختيار للنفس، فيكون من آثارها سلامة البدن وبلوغ الأغراض.

وقد لخص ابن عباس رضي الله عنه الموضوع في كلمات حيث قال: "إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعةً في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمةً في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق".

فمن راقب العواقب سلم من المعاطب..
قَدِّرْ لِرِجْلِكَ قَبْلَ الْخَطْوِ مَوْضِعَهَا ... فَمَنْ عَلَا زَلَقًا عَنْ غِرَّةٍ زَلَجَا
وَلَا يغرنك صــفو أَنْت شـَـــاربه ... فَرُبمَا كَانَ بالتـكدير ممتزجـا

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة