الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الإعجاز المقاصدي في مصطلحات تشريعات الزكاة وأثره في حفظ كرامة الفقراء

الإعجاز المقاصدي في مصطلحات تشريعات الزكاة وأثره في حفظ كرامة الفقراء
  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:10/12/2019
  • التصنيف:اقرأ في إسلام ويب
  •  
2483 0 48

تأتي فريضة الزكاة لتمثل التطبيق العملي (المالي) المترجم للإيمان القلبي بالألفة التي هدى الله بها أمة المسلمين، فالأخوة في الدين لا يمكن تحققها في واقع الحياة إلا بالتشارك في المقوم المادي للحياة وهو المال، لذلك ففريضة الزكاة هي الركن الوحيد من أركان الإسلام الخمسة التي لا تتعلق بنفس المسلم أو أهليته العقلية، ولكنها تتعلق بماله فقط؛ فهي تجب حتى في أموال القصر والمجانين.

فبعد أن ألّف الله بين قلوب المؤمنين بقوله تعالى: {... لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [سورة الأنفال: 63]، أمر الله تعالى نبيه – صلى الله عليه وسلم - بأن يأخذ الزكاة (أموال الفقراء والمساكين وبقية الأصناف الثمانية) من أوعيتها (أموال الأغنياء) ليردها إلى أهلها وهم الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله في كتابه؛ لذلك فالأخوة في الإسلام ليست مجرد أخوة عاطفية فقط، - كما هي في عصرنا هذا - بل هي أخوة تستوجب آثاراً مادية مالية ملزمة.
من خلال النظر الدقيق المتمعن في معاني ومدلولات المصطلحات التشريعية لفريضة الزكاة، نجد أن هذه المصطلحات قد نسجت منظومة تشريعية إعجازية في توزيع الثروة بين الأغنياء والفقراء؛ منظومة لا تخطر على قلب بشر في حفظ كرامة ووقار الفقراء والمساكين؛ فآلية تطبيق فريضة الزكاة التي ترجع الحقوق المالية المتعلقة بذمم الأغنياء ابتداء إلى أصحابها الشرعيين مآلاً، بنيت على فلسفة إثبات الملاك الحقيقين لأموال الزكاة أولاً، ثم تحديد المسؤول الرئيسي عن تطبيق فريضة الزكاة ثانياً، وذلك لضمان وصول الأموال إلى أصحابها من الفقراء والمساكين ومصارفها الثمانية مع حفظ كرامتهم بصورة معجزة، وهو ما نفصله كالتالي:

مصطلحات تشريعات الزكاة في الكتاب السنة:
المتتبع للمصطلحات الواردة في الكتاب والسنة في تشريع فريضة الزكاة، يجدها محصورة في خمسة مصطلحات، تمثل مجتمعة آلية معجزة في التشريع من حيث الإقرار، وآلية معجزة في فلسفتها في آلية التطبيق، وفي الحفاظ على كرامة الفقراء والمساكين، فمصطلحات الزكاة في الكتاب والسنة لا تخرج عن المصطلحات الخمسة التالية: (حق، معلوم، آتوا، خذ، رد).
فالمصطلح الأول وهو (الحق) يخاطب به الجميع كتشريع لإثبات الحق، وهو عين مال الزكاة.
والمصطلح الثاني: (المعلوم) وهو لتحديد مقدار نسبة الحق، الذي يعرف به مقدار الزكاة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ} [سورة المعارج:24].
والمصطلح الثالث: الإيتاء (آتوا) هو أمر من الله للأغنياء بأن يأتوا بمال الزكاة إلى السلطان المسلم، فالمخاطب به من جعلهم الله أوعية للزكاة وهم الأغنياء.
والمصطلح الرابع هو: الأخذ في قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [سورة التوبة:103].
والمصطلح الخامس هو: الرد، في قوله -صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ((فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)).
والمصطلحات الثلاثة الأخيرة مجتمعة تمثل الآلية التشريعية لإقامة الزكاة، ويمكننا القول هذه المصطلحات الثلاثة (الإيتاء، والأخذ، والرد) تمثل أركان قيام فريضة الزكاة في وضعها الطبيعي، أي في حال قيام الأغنياء بإيتاء الزكاة طواعية إلى الحاكم المسلم تعبداً لله تعالى.
أما في حال منع أو تقاعس الأغنياء عن إيتاء الزكاة، فإن الزكاة تقام على ركنين فقط، وهما: (الأخذ، والرد)، وذلك عندما يأخذ الحاكم أموال الزكاة من الأغنياء جبراً عنهم؛ لذلك فالمكلف الرئيسي في القيام بتطبيق فريضة الزكاة هو الحاكم المسلم؛ كونه مخاطباً بالركنين الأساسيين لإقامة فريضة الزكاة، وهما: (الأخذ، والرد)، الواردان في حديث سيدنا معاذ رضي الله عنه: ((تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)) [متفق عليه]، وسنسلط الضوء على الإعجاز المقاصدي لكل مصطلح كما يلي:

1) مصطلح الحق:
قال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ} [سورة المعارج:24]، ذكر القرطبي في تفسيره أنه يريد الزكاة المفروضة، لأنه وصَفَ الحق بأنه معلوم، وسوى الزكاة ليس بمعلوم، نقل ذلك عن قتادة وابن سيرين، وقد جعل الله تعالى هذا الحق فريضة ملزمة قطعية الثبوت والدلالة فهي أحد أركان الإسلام الخمسة، وحكمها الوجوب الملزم ولو جبراً، ويمثل هذا المصطلح (الحق) تشريعاً لإثبات حقوق الأصناف الثمانية في أموال الأغنياء من حيث إقرار التشريع ابتداءً، أي أن في أموال الأغنياء حقا لإخوتهم المسلمين ككيان وكأفراد، فالأغنياء مجرد أوعية للزكاة فقط، فقد ابتلاهم الله بالغنى، فجعلهم أوعية لرزقه سبحانه وتعالى ، فمن كرمه أنه خفف عليهم الابتلاء، عندما جعل جل ما ينزل في أوعيتهم من رزقه هو لهم، وهو ما نسبته سبعة وتسعون ونصف في المئة (97.5%)، أي تسعة وثلاثين دينارا من كل أربعين دينار، وما جعله الله في أوعيتهم لإخوانهم الفقراء والمساكين من المسلمين هو ربع العشر فقط، أي دينارا واحدا فقط من كل أربعون دينار، وهو ما نسبته اثنان ونصف في المئة (2.5%) .
ومال الزكاة هو حق ثابت في ذمة الغني، وهو في حكم الأمانة من وجهة نظر الباحث، ولا يجوز له عدم الإيتاء به لأي سبب من الأسباب، أي أن هذا الحق لا يدخل ضمن حقوق الأغنياء، والأدلة ما يلي:
- أن هذا الحق والذي يمثل نسبة من المال يبقى ديناً في ذمة الغني لا يسقط أبداً.
- أنه يفسد ماله في الحياة الدنيا، ويكون ماله في الآخرة (شجاعا أقرع)، أي ثعبان عظيم، يطوقه يوم القيامة، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع، حتى يطوق عنقه ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله تعالى ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله الآية)).
- أنه لا ينقص من مال الغني شيء فعلاً، بعد أن يؤتي الزكاة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما نقصت صدقة من مال وما زاد رجلا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه)).
- أن هذا الحق هو حق وملك ثابت لمستحقيه وهم الأصناف الثمانية المذكورون بالآية الكريمة، فهو يثبت لهم بمجرد اكتمال شروط الزكاة في مال الغني، كثبوت مال الإرث للورثة بمجرد وفاة المورث، ولا ينتقل الحق إلى ذمة ‌‌أي شخص لا طبيعي كشخص الحاكم ولا اعتباري كشخص الدولة، أو حتى بيت الزكاة نفسه، وسيتضح ذلك البيان الإعجازي في التشريع ومقاصده من خلال شرح مصطلح الرد.

2) مصطلح (معلوم):
قال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ} [سورة المعارج 24]، وهذا المصطلح (معلوم) هو المحدد والمبين لمقدار الحق، فوجود الحق ابتداءً يقتضي ويستوجب معرفة مقدار هذا الحق، لأن طبيعة الوجوب الملزم تستوجب معرفة دقيقة لماهية الحق ابتداءً، فتحديد مقدار الحق بدقة، هو المبرر الشرعي للإلزام القضائي، والمقبول عقلاً وعرفاً في إجبار من عليه الحق أن يلتزم بأداء ذلك الحق، ومصطلح (معلوم) في الآية الكريمة هو مقدار مال الزكاة. يقول ابن العربي في تفسيره المسمى أحكام القرآن، في قوله تعالى : {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} والحق المعلوم هو الزكاة التي بين الشرع قدرها وجنسها ووقتها، فأما غيرها لمن يقول به فليس بمعلوم ; لأنه غير مقدر ولا مجنس ولا مؤقت.

3) مصطلح الإيتاء (آتوا):
قال تعالى {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [سورة البقرة:43، 83،110]، [سورة النساء:77]، [سورة النور:56]، [سورة المزمل: 20]، نجد أنه سبحانه وتعالى لم يكلف أو يأمر الأغنياء بإقامة الزكاة إقامة تامة، مثلما أمرهم وغيرهم بإقامة الصلاة، فالمعلوم أن الإقامة تعني تمام عمل الشيء من بدايته إلى نهايته، فإقامة الصلاة تبدأ بتكبيرة الإحرام وتنتهي بالسلام، وإقامة الزكاة تبدأ بالإيتاء أو الأخذ، أي يؤتوها لولي أمر المسلمين أو أن يأخذها منهم عنوة؛ حيث لا يتوقف إقامة الزكاة على انتظار الأغنياء إلى أن يأتوا بأموال زكاة، بل إن الحاكم مكلف أن يأخذها جبراً وعنوة منهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((.. من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا تبارك وتعالى لا يحل لآل محمد منها شيء)).
وهناك فرق بين الإيتاء وبين القيام، حيث أمر الله في كتابه العزيز أغنياء المسلمين بأمر الإيتاء بالزكاة إلى الحاكم فقط، ولم يأمرهم بأن يقيموها، فالقيام هو فعل الشيء كاملاً من بدايته إلى منتهاه، فالشخص المسلم أُمر بإقامة الصلاة مباشرة؛ لأنها حق الله القوي العزيز على عبادة الفقراء إليه؛ فإقامة الصلاة لا تولد علواً أو كبراً، لأن المكلف بالصلاة هو الأدنى الشخص المسلم تجاه الأعلى وهو الله سبحانه وتعالى، أما الزكاة فلم يأمر الله الأغنياء بالقيام بها، أي لم يأمرهم بدفعها إلى مستحقيها مباشرة، قال تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ } [سورة البقرة:43]؛ وذلك لعدة مقاصد، معنوية وحقوقية ومعرفية:

- فالمقصد المعنوي المعجز، وكأنه الأهم؛ وهو أن تصل أموال الزكاة إلى مستحقيها دون منة أو أذى، لأن الأغنياء إذا أمروا بإقامة الزكاة على غرار أمرهم بإقامة الصلاة؛ ستكون أيديهم هي العليا وأيدي الفقراء ستكون السفلى، عندها سيزيد في نفوس الأغنياء الشعور بالكبر والعلو المعنوي على الفقراء، فتضاف إلى بيئة علوهم المادي - كونهم أغنياء – بيئة علو معنوية، وهذا الوضع سيعزز العلو في نفوس الأغنياء من جهة، وسيخلق المسكنة والشعور بالضعف والحاجة في نفوس الفقراء؛ فتحدث هوة معنوية بين الأغنياء والفقراء بالإضافة إلى الهوة المادية، وسيصح الغنى عزة والفقر مذلة، فينتفي الإحساس بشعور الأخوة في الدين بين المسلمين، بسبب زيادة التفاوت الطبقي، مما يؤدي إلى تحول المجتمع المسلم من مجتمع مبني على الأخوة التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، إلى مجتمع مبني على السيد والمسود؛ فالمشرع الحكيم لم يأمر الغني بإقامة الزكاة بنفسه حتى لا تهيئ للأغنياء بيئة الطغيان، التي قد تعتري أصحاب الأموال الطائلة، فكأن ذلك تحصيناً لهم من الوقوع في فتنة العلو والكبر ، وكذلك لم يأمر الله الفقراء بأن يطلبوا أموال الزكاة من الأغنياء؛ لنفس المقاصد المذكورة.
- أما المقصد الحقوقي، فهو أن يعلم الغني أن يده على أموال الزكاة ليست يد تصرف حتى يتمكن من إقامة الزكاة بنفسه، فأموال الزكاة التي في ماله ليست ملكاً خاصاً به كبقيه أمواله، وإنما هو مجرد يد أمانة، تمثل أحد أوعية رزق الله في أرضه، فالله هو الرازق، والمال في الأصل هو مال الله، فكل رزق جعله الله في أيدي الأغنياء من عباده، يتضمن ما نسبته (ربع العشر/ 2.5%) وهو نسبة ما يملكه أصحاب بالأصناف الثمانية، تثبت ملكيتهم لها بمجرد ما يصبح الغني غنياً؛ والشاهد على أن أموال الزكاة ليست ملكاً للأغنياء هو أنها تأخذ منهم جبراً في الدنيا، وأن مانعي الزكاة تحول عليهم يوم القيامة إلى صفائح من نار يكوون بها حتى يُقضى بين العباد.

- والمقصد المعرفي، يظهر كمتطلب لإيصال أموال الزكاة إلى أصحابها، وهو المعرفة التامة بمستحقي الزكاة من الأصناف الثمانية، ويعتبر شرط وجوب رد لإقامة الزكاة، وهذا الشرط يستحيل تحققه في حال قيام الغني بإقامة الزكاة بنفسه؛ لأن تحقق هذا الشرط يقتضي المعرفة التامة بأحوال أصحاب الزكاة (الأصناف الثمانية) وأيهم الأكثر استحقاقاً للنصيب الأكبر أو العكس، والفرد المسلم الغني كونه شخصاً عادياً يستحيل أن يعلم حالة عموم المسلمين حتى يتمكن من رد أموال الزكاة لأصحابها؛ لذلك أمره الله العليم بأن يقوم بخطوة أولى من إقامة الزكاة وهي الإيتاء تعبداً لله تعالى، بأن يأتي بمال الزكاة إلى من هو أعلم منه بحالة الأصناف الثمانية وهو الحاكم، لأن وظيفة الحاكم هي رعاية شؤون المسلمين، ومعرفة أحوالهم هي من متطلبات وظيفته؛ لذلك فالحاكم هو من يعلم مستحقي الزكاة بحكم وظيفته.

4) مصطلح (الأخــذ):

وهو الركن الأول من ركني إقامة الزكاة، قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [سورة التوبة:103]. وتفسير هذه الآية يتضح في التطبيق العملي لمرادها بقوله -صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ((فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)) وفي لفظ لمسلم: ((... فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم))، فالأخذ يمثل الأمر التنفيذي لجباية الزكاة، سواء كان بأخذها من الأغنياء طوعاً في حال إتيانهم بها تعبداً، أو أخذها منهم جبراً في حال تقاعسهم عن أدائها.

5) مصطلح (الرد):
وهو الركن الثاني من ركني إقامة الزكاة، وهو مكمن الإعجاز التشريعي الذي حفظت به كرامة الفقراء والمساكين، فقول النبي -صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ((تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)) وفي لفظ لمسلم: ((تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)) يثبت إثباتاً لا يعتريه الشك أن (أموال الزكاة) هي في الأصل ملكٌ لأصحابها الشرعيين (الأصناف الثمانية)، جعلها الله في أيدي إخوتهم الأغنياء، وتمثل الحق الشرعي المالي لرابط الأخوة في الإسلام، على غرار الحقوق المالية التي أثبتتها الشريعة لرابط الأخوّة في النسب من خلال أحكام المواريث.

ويتجلى الإعجاز في قوله صلى الله عليه وسلم: (وترد على فقرائهم)، في رواية البخاري، و(فترد في فقرائهم)، في رواية مسلم، فقوله - صلى الله عليه وسلم- (ترد على)، (وترد في)، لها عدة دلالات، منها: أن رد الشيء يدل على الملكية السابقة للشيء للشخص المردود إليه ذلك الشيء، بعكس العطاء مثلاً، فلو وضعنا مصطلح العطاء مكان مصطلح الرد، لدل ذلك على أن أصل ملكية الشيء تكون للمعطي، ولا تنتقل الملكية للمعطى إليه إلا بعد العطاء، ويدل على أن يد المعطي هي الأعلى، ويد الآخذ هي السفلى، وهذا بعكس مصطلح الرد الوارد في الحديث الصحيح، فبالإضافة إلى ثبوت ملكية أموال الزكاة للفقراء وبقية الأصناف الثمانية ابتداء، فإن الرد يدل على أن اليد التي تقوم برد أموال الزكاة إلى أصحابها (يد السلطان) ليست في وضع اليد العليا، التي تقتضي أن اليد المردود إليها تكون السفلى، بل بالعكس، فإن الرد يقتضي أن تكون يد السلطان هي يد الأجير، أو الوسيط، الذي وضع في منصب الحاكم ليرد الحقوق الشرعية إلى أصحابها، بل قد تكون الأيدي – أيدي الفقراء والمساكين- التي ترد إليها أموالها (أموال الزكاة) هي بمثابة اليد العليا، خاصة إذا كان الحكام يبايعون أو ينتخبون من قبل شعوبهم، فلسان حال الحاكم تقول للفقراء عندما يرد لهم أموالهم: هذه أموالكم التي فرضها الله لكم، أخذتها لكم من الأغنياء بقوة السلطان الذي منحتموني إياه بمبايعتكم أو بانتخابكم لي حاكماً لكم.
والملاحظ أن الشخص المسلم الغني لم يؤمر بإقامة فريضة الزكاة، لأنها تتعلق بحقوق مالية لثمانية أصناف لا يستطيع معرفة من هو الأكثر حاجة لها منهم، وإنما كلف بإقامتها الذي يعلم بهم وحاجتهم بحكم مسؤوليته عنهم وهو الحاكم، فهو من كلفه - بل أمره - الله بذلك (الأخذ ابتداء، والرد انتهاءً).
_________________
المصدر: اليافعي، محمد، رسالة دكتوراه" الصندوق العالمي للزكاة، أسسه العقدية وآثاره الاقتصادية" جامعة محمد الخامس الرباط 2018م.
 

مواد ذات صلة