الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

عوض ما فاتك

عوض ما فاتك

عوض ما فاتك

كثير منا من تصيبه الغفلة في بدايات شبابه، وربما تطول غفلاته، وتكثر زلاته، وقد يقع في كثير من المخالفات ويرتكب الكثير من السيئات، تكثر عند البعض وتقل عند آخرين، وربما كانت كبائر وعظائم.. ويتغمد الله الكثيرين برحمته، ويمن عليهم بتوبة وعودة وأوبة ورجوع إلى الله وسلوك سبيل المحسنين.

لكن من الناس من يتحسر على ما مضى من تقصير، ويحزن على ما فات من طاعة.. وهو أمر لا بأس به، إن كان في حدوده؛ فالحزن على الخطل والزلل والتفريط، والندم على ذلك، لا شك علامة من علامات صدق التوبة، بل هو شرط من شروطها، وهو من سمات أهل العقل؛ كما يقول ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "الطب الروحاني": "العاقل لا يخلو من الحزن؛ لأنه يتفكر في سالف ذنوبه، فيحزن على تفريطه".

ولكن من الناس من يسرف في ذلك، فهو دائماً يجتر الذكريات الماضية الأليمة، ويتذكرها، ويتصورها، ويكتئب ويحزن، ويقف طويلا عندها ولا يتجاوزها، فلا يزال كذلك حتى يضيع حاضره، ويقطع عليه مستقبله، فيأتي عليه زمان يتحسر فيه على الزمن الذي ضيعه في الحزن والتحسر، فيضم إلى المصيبة مصيبة، فتصير اثنتين.

بماذا يفيدك البكاء والتحسر على ما فات.. ما فات قد انتهى وولى.. لن يعود مهما سكبت من دموع وندمت.. كل ثانية مضت فلن يمكنك إصلاحها ولا العودة للوراء لتصحيحها.. فعش واقعك وعوض بما هو خير.

إن المصيبة ينبغي أن تخفف عن القلب وتُدفَع، وإلا افسدت على المرء حاضره ومستقبله.. فيخسر الماضي والحاضر والمستقبل جميعا.

نعم.. من الجيد أن يعرف الإنسان تقصيره وعيوبه من أجل أن يستدركها، لكن اجترار الهم والحزن والأمور المنغصة من أجل تكرار الألم، والتثريب على الإنسان ليس بمرغوب ولا مطلوب!. خصوصا وأن الله تعالى قد تعهد بقبول التوبة ممن صدق فيها مهما كانت ذنوبه، ولا أدل على ذلك من قصة قاتل المائة نفس.

اعرف عيوبك من أجل أن تستدركها، واعرف خطأك من أجل أن لا تقع فيه في المستقبل، ولا تلتفت إلى الماضي، دائماً صوب نظرك إلى الإمام، ابدأ حياة جديدة، استقبل أمراً جديداً، عملاً نافعاً مجدياً [احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز]، [وأتبع السيئة الحسنة تمحها].

إن تعويض ما فات لا يكون بالندم على ما فات فحسب، ولا يكون باجترار أحزان الماضي، إنما يكون بالجد والعمل، واغتنام كل فرصة قادمة ليتـقدم بها خطوة، وهذا دليل الكياسة، وعلامة علو الهمة.

فإن تك بالأمس اقترفت إساءة فبـادر بإحسان وأنت حميد
ولا ترج فعل الصالحات إلى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد

يذكر الشيخ علي القرني في محاضرته "إشارات على الطريق" يقول:
"غاب أنس بن النضر رضي الله عنه وقعة بدر فأحس بألم غنيمة ضيعها، فقال – كماروى البخاري ومسلم-: يارسول الله غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، لأن أشهدني الله مشهدا ً آخر في قتال المشركين، ليرين الله مني ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون أقبل أنس يعتذر إلى الله مما صنع بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبرأ إلى الله مما صنع المشركون، يتقدم ويكسر غمد سيفه ويستقبله سعد بن معاذ فيقول: الجنة ورب النضر، إني لأجد ريحها من دون أحد.. يقول سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، ولما انتهت المعركة وجدوه قد قتل، ومثل به المشركون، ووجد به بضع وثمانون ضربة سيف أو طعنة رمح أو رمية بسهم فما عرفته إلا أخته ببنانه.

عكرمة يعوض ما فات
عكرمة رضي الله عنه يسلم عام الفتح، وشعر بما فاته من سابقة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يقول: والذي نجاني يوم بدر يا رسول الله لا أدع نفقة أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت أضعافها في سبيل الله، ولا قتالا قاتلته في الصد عن سبيل الله إلا قاتلت ضعفه في سبيل الله، ويبر بقسمه، فما خاض المسلمون معركة بعد إسلامه إلا خاضها معهم، ولا خرجوا إلا كان معهم، وفي يوم اليرموك.. وما يوم اليرموك؟!

(أقبل عكرمة على القتال إقبال الظامئ على الماء البارد في في اليوم القائظ، اشتد الكرب بالمسلمين نزل عن جواده، وكسر غمد سيفه، أوغل في صفوف الروم، فبادر خالد بن الوليد قائلا: لا تفعل يا عكرمة، إن قتلك على المسلمين سيكون شديدا.

قال: إليك عني ياخالد، لقد كان لك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقة، أما أنا وأبي أبو جهل فقد كنا أشد الناس على رسول صلى الله عليه وسلم، دعني أكفر عما سلف مني، أأقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أفر اليوم من الروم، والله لا يكون أبدا.
ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه أربعمائة من المجاهدين في سبيل الله، فقاتلوا حتى نصر الله المسلمين نصرا مؤزرا، ولقى الله عكرمة مثخنا بجراحه)، ولسان حاله {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} (طـه:84). فرضى الله عنه وأرضاه.

فبادر أخي قبل العوائق، واستدرك ما فات فلعلك بالأخيار لاحق، إن كنت على طريقهم فما أسرع اللحاق بهم .
إذا استدرك الإنسان ما فات من علا .. .. فللحزم يعزى لا إلى الجهل ينسب

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة