الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
571 - ( 4927 ) - حدثنا أبو الربيع ، حدثنا فليح بن سليمان المدني ، عن ابن شهاب الزهري ، عن عروة بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، وعلقمة بن وقاص الليثي ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ، [ ص: 323 ] فبرأها الله منه ، قال الزهري - وكلهم حدثني طائفة من حديثها ، وبعضهم أوعى له من بعض ، وأثبت له من بعض ، وأثبت له اقتصاصا ، وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني به ، عن عائشة ، وبعض حديثهم يصدق بعضا - : زعموا أن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه ، فأيتهن خرج سهمها ، خرج بها معه . قالت : فأقرع بيننا في غزوة غزاها ، فخرج سهمي ، فخرجت معه ، بعدما أنزل الحجاب ، فأنا أحمل في هودج ، وأنزل فيه ، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته تلك ، وقفل ، ودنونا من المدينة ، آذن ليلة بالرحيل ، فقمت حين آذنوا بالرحيل ، فمشيت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت شأني ، أقبلت إلى الرحل ، فلمست صدري ، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع ، فرجعت ، فالتمست عقدي ، فحبسني ابتغاؤه ، [ ص: 324 ] فأقبل الذين يرحلون بي ، فاحتملوا هودجي ، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب ، وهم يحسبون أني فيه ، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ، ولم يغشهن اللحم ، وإنما يأكلن العلقة من الطعام ، فلم يستنكر القوم حين رفعوا ثقل الهودج ، واحتملوه وكنت جارية ، حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا ، فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش ، فجئت منزلهم ، وليس [ ص: 325 ] فيه أحد ، فأممت منزلي الذي كنت فيه ، وظننت أنهم سيفقدونني ، فيرجعون إلي ، فبينا أنا جالسة في منزلي ، غلبتني عيناي ، فنمت ، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني ، من وراء الجيش ، فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان فأتاني ، وكان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ، والله ما تكلمت بكلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، حتى أناخ راحلته ، فوطئ يدها فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش معرسين في نحر الظهيرة ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول ، فقدمنا المدينة ، فاشتكيت بها شهرا ، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ، لا أشعر بشيء من ذلك ، ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللطف الذي أرى منه حين أمرض ، إنما يدخل ، فيسلم ، ثم [ ص: 326 ] يقول : كيف تيكم ؟ فذلك يريبني ، ولا أشعر حتى نقهت ، فخرجت أنا ، وأم مسطح بنت أبي رهم قبل المناصع متبرزنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل ، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا ، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية أو في التنزه ، فأقبلت أنا ، وأم مسطح بنت أبي رهم ، نمشي فعثرت في مرطها ، فقالت : تعس مسطح ، فقلت لها : بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا ؟ قالت : يا هنتاه ، ألم تسمعي ما قالوا ؟ قالت : قلت : وما قالوا ؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك ، فازددت [ ص: 327 ] مرضا على مرضي ، فلما رجعت إلى بيتي ، دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : كيف تيكم ؟ فقلت : ائذن لي آت أبوي ، قالت : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما ، قالت : فأذن لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيت أبوي ، فقلت لأمي : ما يتحدث الناس ؟ فقالت : يا بنية هوني على نفسك الشأن ، فوالله ، لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ، ولها ضرائر إلا أكثرن عليها ، قالت : فقلت : سبحان الله ولقد تحدث الناس بهذا ؟ فبت تلك الليلة حتى أصبحت ، لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم ، ثم أصبحت ، ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب ، وأسامة بن زيد ، حين استلبث الوحي ، يستشيرهما في فراق أهله .

قالت : فأما أسامة بن زيد ، فأشار عليه بالذي يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم في نفسه من الود لها ، فقال أسامة : أهلك يا رسول الله ، ولا نعلم والله إلا خيرا .

وأما علي بن أبي طالب ، فقال : يا رسول الله ، لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تصدقك .

قالت : فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بريرة ، فقال : يا بريرة ، هل رأيت منها شيئا يريبك ؟ فقالت بريرة : لا والذي بعثك بالحق ، [ ص: 328 ] إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها ، أكثر من أنها جارية حديثة السن ، تنام عن العجين ، فتأتي الداجن ، فتأكله . قالت : فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يومه ، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي ، فوالله ، فوالله ، فوالله - ثلاث مرات - ما علمت على أهلي إلا خيرا ، وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي . فقام سعد بن معاذ ، فقال : يا رسول الله ، أنا والله أعذرك [ ص: 329 ] منه ، إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلا صالحا ، ولكن احتملته الحمية ، فقال : كذبت ، لعمر الله ، والله ، لا تقتله ، ولا تقدر على قتله . فقام أسيد بن حضير ، فقال : كذبت ، لعمر الله ، والله ، لنقتلنه ، فإنك منافق ، تجادل عن المنافقين .

[ ص: 330 ] قال : فثار الحيان ، الأوس ، والخزرج ، حتى مضوا ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم على المنبر قال : فنزل ، فخفضهم ، حتى سكتوا ، وسكت .

قالت : وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم ، فأصبح عندي أبواي ، وقد بكيت ليلتين ويوما ، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي .

قالت : فبينا هما جالسان عندي ، وأنا أبكي ، إذ استأذنت امرأة من الأنصار ، فأذنت لها ، فجلست تبكي معي ، فبينا نحن كذلك ، إذ دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلس ، ولم يجلس عندي من يوم قيل ما قيل قبلها ، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني .

قالت : فتشهد ، ثم قال : أما بعد ، يا عائشة ، فإنه بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة ، فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت ، فاستغفري الله ، وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ، ثم تاب ، تاب الله عليه .

فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالته ، قلص دمعي ، حتى ما [ ص: 331 ] أحس منه قطرة ، فقلت لأبي : أجب عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قال . قالت : فقال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قال ، قالت : والله ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قالت : وأنا جارية حديثة السن ، لا أقرأ كثيرا من القرآن ، فقلت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم بما تحدث به ، وقد قر في أنفسكم ، وصدقتم به ، ولئن قلت لكم : إني لبريئة - والله يعلم إني لبريئة - لا تصدقونني بذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمر - الله يعلم أني منه بريئة - لتصدقني ، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف ، إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون .

قالت : ثم تحولت على فراشي ، وأنا أرجو أن يبرئني الله ، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحي يتلى ، وأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري ، ولكن كنت أرجو أن يرى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم رؤيا تبرئني .

قالت : فوالله ، ما رام مجلسه ، ولا خرج أحد من أهل البيت ، حتى أنزل عليه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ، حتى إنه يتحدر [ ص: 332 ] منه مثل الجمان من العرق ، في يوم شات .

قالت : فلما سري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلم بها ، أن قال : يا عائشة ، احمدي الله ، فقد برأك .

قالت لي أمي : قومي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله وأنزل الله : إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم الآيات كلها ، فلما أنزل الله هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة ، لقرابته منه - : والله ، لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعدما قال لعائشة ، فأنزل الله هذه الآية : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم .

قال أبو بكر : بلى ، والله ، إني لأحب أن يغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه .

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل زينب بنت جحش عن أمري ، فقال : يا زينب ، ما علمت ، وما رأيت ؟ قالت : يا رسول الله ، أحمي سمعي وبصري ، فوالله ما علمت عليها إلا خيرا .

[ ص: 333 ] قالت عائشة : وهي التي تساميني ، فعصمها الله بالورع
.

التالي السابق


الخدمات العلمية