الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
577 - ( 4933 ) - أخبرنا أبو يعلى والحسن بن سفيان ، قالا حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي الطحان ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب الواسطي ، حدثني عروة بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، وعلقمة بن وقاص ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، [ ص: 340 ] عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا ، فبرأها الله ، وكلهم حدثني طائفة من حديثها ، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض ، وأثبت له اقتصاصا ، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة . قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه ، فأيتهن خرج سهمها أخرجها معه . قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها ، فخرج فيها سهمي ، فخرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما أنزل الحجاب ، فكنت أحمل في هودج وأنزل فيه ، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته تلك ، وقفل ودنونا من المدينة قافلين أذن لنا بالرحيل ، فقمت حين أذن بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت شأني ، أقبلت إلى رحلي فلمست صدري ، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع ، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه .

قالت : وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي ، فاحتملوا هودجي ، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب ، وهم يحسبون أني فيه ، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يغشهن اللحم ، وإنا نأكل العلقة من الطعام ، فلم يستنكر القوم خفة الهودج ، رفعوه ورحلوه ، وكنت جارية حديثة السن فبعثوا ، وساروا ، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب . [ ص: 341 ] فيممت منزلي الذي كنت به ، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي .

فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني ، فنمت ، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش ، فأدلج ، فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان نائم ، فعرفني حين رآني ، وكان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ، والله ما تكلمت بكلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته ، فوطئ على يدها ، وقمت فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة ، حتى أتينا الجيش وهم نزول .

قالت : فهلك من هلك ، وكان الذي تولى كبره منهم الأول عبد الله بن أبي ابن سلول .

قال عروة : أخبرت أنه كان يشاع ويحدث به عنده ، فيقره ويشيعه ويستوشيه .

قال إبراهيم : يعني يستوشيه .

قال عروة : إنما لم يسم من أهل الإفك إلا مسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش ، في أناس آخرين لا علم لي بهم ، غير أنهم عصبة ، كما قال الله ، وإن كبر ذلك كان يقال عن عبد الله بن أبي ابن سلول .

قال عروة : كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان بن [ ص: 342 ] ثابت ، وتقول : إنه الذي قال :


فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء



قالت عائشة : فقدمت المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا ، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ، لا أشعر بشيء من ذلك ، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللطف الذي كنت أرى حين أشتكي ، إنما يدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول : كيف تيكم ؟ وينصرف ، فذلك الذي يريبني ، ولا أشعر حتى خرجت بعدما نقهت ، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع ، وكان متبرزنا ، أمرنا أمر العرب الأول في التنزيه ، قبل الغائط كنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا .

قالت : فانطلقت أنا ، وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب ، فأقبلت أنا ، وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا ، فعثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت : تعس مسطح .

فقلت لها : بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا ؟

قالت : أي هنتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قلت : وما قال ؟ [ ص: 343 ] فأخبرتني بقول أهل الإفك .

قالت : فازددت مرضا على مرضي ، فلما رجعت إلى بيتي ، دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : كيف تيكم ؟ فقلت : ائذن لي آت أبوي ، قالت : وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما ، فأذن لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيتهما ، فقلت لأمي : يا أمتاه ، ماذا يتحدث الناس ؟ قالت : هوني عليك ، فوالله ، لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند زوجها يحبها ، لها ضرائر ، إلا أكثرن عليها .

قالت : فقلت : سبحان الله أولقد تحدث الناس بهذا ؟

قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم .

قالت : ثم أصبحت أبكي ، قالت : ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب ، وأسامة بن زيد ، يستشيرهما في فراق أهله .

قالت : فأما أسامة بن زيد ، فأشار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذي يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم لهم في نفسه ، فقال أسامة بن زيد : يا رسول الله ، أهلك ولا نعلم إلا خيرا .

وأما علي ، فقال : يا رسول الله ، لم يضيق الله عليك النساء ، والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تصدقك .

قالت : فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بريرة ، فقال : أي بريرة ، هل [ ص: 344 ] رأيت شيئا يريبك ؟ قالت له بريرة : والذي بعثك بالحق ، ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه ، أكثر من أنها جارية حديثة السن ، تنام عن عجين أهلها ، فتأتي الداجن ، فتأكله ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يومه ، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول ، وهو على المنبر ، فقال : يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي ، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت منه إلا خيرا ، وما دخل على أهلي إلا معي .

فقام سعد بن معاذ أحد بني عبد الأشهل ، فقال : يا رسول الله ، أنا أعذرك منه ، فإن كان من الأوس ، ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج ، أمرتنا ففعلنا ما أمرتنا به .

قال : فقام رجل من الخزرج ، وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه وهو سعد بن عبادة سيد الخزرج ، وكان رجلا صالحا ، ولكن احتملته الحمية ، فقال لسعد بن معاذ : كذبت ، لعمر الله لا تقتله ، ولا تقدر على قتله ، ولو كان من رهطك ما أحببت أن تقتله .

فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله ، لنقتلنه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين .

قالت : فثار الحيان ؛ الأوس والخزرج ، حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس على المنبر ، فلم يزل رسول [ ص: 345 ] الله - صلى الله عليه وسلم - يخفضهم حتى سكتوا ، وسكت .

قالت : وبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم ، قالت : وأصبح أبواي عندي ، بكيت يومي وليلتي لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم ، قالت : حتى أظن أن البكاء فالق كبدي .

قالت : فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي ، استأذنت علي امرأة من الأنصار ، فأذنت لها ، فجلست تبكي معي ، قالت : فبينما نحن على ذلك ، إذ دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلم ثم جلس .

قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل قبلها ، ولقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء .

قالت : فتشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين جلس ، ثم قال : أما بعد ، يا عائشة ، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف ، وتاب ، تاب الله عليه .

قالت : فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالته ، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ، فقلت لأبي : أجب عني رسول الله فيما قال ، فقال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قالت : فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله فيما قال ، فقالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

[ ص: 346 ] قالت : فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا : إني والله ، لقد علمت ، ولقد سمعتم ، حتى استقر في أنفسكم ، وصدقتم به ، فإن قلت لكم : إني بريئة ، لا تصدقونني بذلك ، ولئن اعترفت بأمر ، والله يعلم أني منه بريئة ، لتصدقني ، والله ما أجد لي ولا لكم مثلا إلا أبا يوسف ، حين يقول : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون .

قالت : فتحولت ، فاضطجعت على فراشي ، والله يعلم حينئذ أني بريئة ، والله يبرئني ببراءتي ، ولكن والله ما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحيا ، لشأني أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر بيان ، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم رؤيا يبرئني الله بها .

قالت : فوالله ما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مجلسه ، ولا خرج أحد من أهل البيت ، حتى أنزل الله عليه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ، حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان ، وهو في يوم شات من ثقل القرآن الذي أنزل عليه ، قالت : فسري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يضحك ، وكان أول كلمة تكلم بها أن قال : يا عائشة أما الله فقد برأك .

قالت : فقالت أمي : قومي إليه ، فقلت : والله لا أقوم إليه ، وإني لا أحمد إلا الله ، وأنزل الله : إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم الآيات .

[ ص: 347 ] فلما أنزل الله هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق ، وهو ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته ، وفقره : والله لا أنفق على مسطح شيئا بعد الذي قال لعائشة ، فأنزل الله : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى إلى قوله : والله غفور رحيم ، فقال أبو بكر : بلى والله ، إني لأحب أن يغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه قال : والله لا أنزعها منه أبدا .

قالت : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل زينب بنت جحش عن أمري ، فقال لزينب : ماذا علمت أو رأيت ؟ قالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ، والله ما علمت إلا خيرا .

قالت عائشة : وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فعصمها الله بالورع ، وطفقت أختها حمنة تحارب فهلكت فيمن هلك .


قال ابن شهاب : فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط .

التالي السابق


الخدمات العلمية