الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام  وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد  وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله عز وجل: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا نزلت هذه الآية واللتان بعدها في الأخنس بن شريق،  وكان حلو الكلام، حلو المنظر، يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجالسه ويظهر الإسلام، ويخبره أنه يحبه، وكان يعجب النبي صلى الله عليه وسلم كلامه.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ويشهد الله على ما في قلبه كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: والله إني بك مؤمن ولك محب.

                                                                                                                                                                                                                                      يحلف بالله ويشهده على أنه مضمر ما يقول، وهو كاذب في ذلك، وهو ألد الخصام الألد: الشديد الخصومة، يقال: لددت، فأنت تلد لددا ولدادة.

                                                                                                                                                                                                                                      و "الخصام": مصدر كالمخاصمة.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس: يريد أنه يدع الحق ويخاصم في الباطل.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: وإذا تولى أي: أعرض وأدبر، سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل وذلك أنه انصرف من بدر ببني زهرة راجعا إلى مكة، وكان بينه وبين ثقيف خصومة، فبيتهم ليلا، وأهلك مواشيهم، وأحرق زرعهم، قال السدي: مر بزرع للمسلمين وحمر، فأحرق الزرع وعقر الحمر.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الضحاك، ومجاهد: "تولى" بمعنى: تملك وولي وصار واليا، ومعناه: إذا ولي سلطانا جار.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 311 ] وأراد "بالحرث": الزرع والنبات، و "بالنسل": نسل الدواب، على ما روي أنه أهلك المواشي وأحرق الزرع.

                                                                                                                                                                                                                                      والله لا يحب الفساد قال الكلبي، عن ابن عباس: لا يرضى بالفساد والعمل بالمعاصي.

                                                                                                                                                                                                                                      وذكر في تفسير "الفساد" ها هنا: الخراب، وقطع الدراهم، وشق الثياب، لا على وجه المصلحة.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: وإذا قيل له اتق الله وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه إلى إجابة الله في ظاهره وباطنه، فدعاه الأنفة والكبر إلى الإثم والظلم، وهو قوله: أخذته العزة بالإثم معنى العزة ها هنا: المنعة والقوة.

                                                                                                                                                                                                                                      قال قتادة: إذا قيل له: مهلا مهلا.

                                                                                                                                                                                                                                      ازداد إقداما على المعصية.

                                                                                                                                                                                                                                      والمعنى: حملته العزة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم، فحسبه جهنم كافيه الجحيم جزاء له وعذابا، يقال: حسبك كذا، أي: كفاك.

                                                                                                                                                                                                                                      وحسبنا الله: أي: كافينا الله، قال امرؤ القيس:


                                                                                                                                                                                                                                      وحسبك من غنى شبع وري

                                                                                                                                                                                                                                      أي: يكفيك الشبع والري.

                                                                                                                                                                                                                                      ولبئس المهاد جهنم، على معنى: بئس الموضع وبئس المقر، و "المهاد": جمع المهد، وهو الموضع المهيأ للنوم.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية