وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين
وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون قال المفسرون: كان يونس عليه السلام قد وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمنشور عنهم، فقصد البحر وركب السفينة، وكان بذهابه إلى الفلك كالفار من مولاه، فوصف بالإباق، فساهم فقارع، فكان من المدحضين المغلوبين والمقروعين، وذلك أن السفينة [ ص: 533 ] احتبست فوقفت، فقال الملاحون: هاهنا عبد آبق من سيده، وهذا رسم السفينة، إذا كان فيها عبد آبق لا تجري، فأقرعوا فوقعت القرعة على يونس ، فقال: أنا الآبق، وزج نفسه في الماء.
قال : لما استهموا جاء حوت إلى السفينة فاغرا فاه ينتظر أمر ربه، حتى إذا ألقى نفسه في الماء أخذه الحوت، فذلك قوله: سعيد بن جبير فالتقمه الحوت يقال: لقمت اللقمة والتقمتها إذا ابتلعتها، وهو مليم مستحق اللوم؛ لأنه أتى ما يلام عليه حين خرج إلى السفينة قبل أن يأمره الله، فاستحق بذلك اللوم والتأديب، فلولا أنه كان قبل أن التقمه الحوت، من المسبحين المصلين، وكان كثير الصلاة والذكر، للبث في بطنه إلى يوم يبعثون لصار له بطن الحوت قبرا إلى يوم القيامة.
قال سعيد بن حبير : شكر الله قد يمسه، وقال : الضحاك بن قيس يونس كان عبدا صالحا ذاكرا لله، فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: فلولا أنه كان من المسبحين الآيتين، وإن اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، فإن فرعون كان عبدا طاغيا ناسيا ذكر الله، فلما أدركه الغرق قال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل قال الله تعالى: آلآن وقد عصيت قبل قال ابن جريج : لبث والسدي يونس عليه السلام في بطن الحوت أربعين يوما، وقال : عشرين يوما، وقال الضحاك : سبعة أيام، وقال عطاء : ثلاثة أيام، وقال مقاتل : التقمه الحوت ضحى، ولفظه عشية، فذلك قوله: الشعبي فنبذناه بالعراء يعني: المكان الخالي من الشجر والبناء، قال : بالبراز، وقال مقاتل : يعني وجه الأرض، الكلبي وهو سقيم قد بلي لحمه مثل الصبي المولود. قال : كهيئة الفرخ ليس عليه ريش، ابن مسعود وأنبتنا عليه شجرة من يقطين كل شجرة لا تقوم على ساق إنما تمتد على وجه الأرض فهو يقطين، مثل الدباء والحنظل والبطيخ. قال : يعني القرع، وهو قول الجميع، قالوا: كان يستظل بظلها من الشمس، وقيض الله له أروية من الوحش تروح عليه بكرة وعشيا، فكان يشرب من لبنها حتى اشتد لحمه ونبت شعره، ثم أرسله الله بعد ذلك، وهو قوله: مقاتل وأرسلناه إلى مائة ألف قال : أرسل إلى أهل قتادة نينوى من أرض الموصل قبل أن يصيبه ما أصابه، وقوله: أو يزيدون أو بمعنى الواو، كقوله: عذرا أو نذرا المعنى: ويزيدون على مائة ألف، قال : أو هاهنا بمعنى بل، وهو قول الفراء ، مقاتل ، وقال والكلبي : أو هاهنا على أصله، ومعناه أو يزيدون في تقديركم إذا رآهم الرائي قال هؤلاء مائة ألف أو يزيدون، فالشك إنما دخل في حكاية قول المخلوقين. الزجاج
قال ، مقاتل : كانوا يزيدون على عشرين ألفا، وقال والكلبي : بضعة وثلاثين ألفا، وقال الحسن : سبعين ألفا. فآمنوا يعني الذين أرسل إليهم سعيد بن جبير يونس ، فمتعناهم في الدنيا، "إلى حين" إلى منتهى آجالهم.