والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور
والذين يجتنبون كبائر الإثم تقدم تفسير الكبائر في سورة النساء ، وقرأ كبير الإثم على الواحد وهو يريد الجمع ، كقوله : حمزة : وإن تعدوا نعمة الله ، أو يريد بكبير الإثم : الشرك ، على ما فسره قال : يريد : الشرك . ابن عباس ،
وقوله : والفواحش يعني : الزنا وأنواعه ، وقال يعني : ما تقام فيه الحدود في الدنيا . مقاتل :
وإذا ما غضبوا هم يغفرون أي : يكظمون الغيظ ، ويعفون عمن ظلمهم ، يطلبون بذلك ثواب الله تعالى ، وعفوه .
والذين استجابوا لربهم أجابوه إلى ما دعاهم إليه ، من توحيد الله تعالى ، وعبادته ، وأمرهم شورى بينهم هي فعلى من المشاورة ، وهي الأمر الذي يتشاور فيه ، يقال : صار هذا الأمر شورى بين القوم ، إذا تشاوروا فيه ، والمعنى : أنهم يتشاورون فيما يبدو لهم ، ولا يعجلون في الأمر ، قال الحسن : والله ما تشاور قوم قط ، إلا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم .
أخبرنا الأستاذ أبو عبد الرحمن محمد بن عبد العزيز الفقيه ، أنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري ، أنا نا [ ص: 58 ] الحسن بن سفيان ، نا عبد الله بن معاوية الجمحي ، عن صالح المري ، عن سعيد الجريري ، عن أبي عثمان النهدي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبي هريرة ، " إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها ، وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها " .
قوله : والذين إذا أصابهم البغي الظلم والعدوان ، هم ينتصرون ممن ظلمهم ، قال يعني المؤمنين الذين أخرجهم الكفار من عطاء : مكة ، وبغوا عليهم ، ثم مكنهم الله في الأرض ، حتى انتصروا ممن ظلمهم .
وقال ابن زيد : جعل الله المؤمنين صنفين : صنف يعفون عن ظالمهم ، فبدأ بذكرهم ، وهو قوله : وإذا ما غضبوا هم يغفرون : وصنف ينتصرون من ظالمهم ، وهم الذين ذكروا في هذه الآية .
ومن انتصر فأخذ بحقه ، ولم يجاوز في ذلك ما حد الله تعالى له ، فهو مطيع لله ، ومن أطاع الله فهو محمود .
ثم ذكر حد الانتصار ، فقال : وجزاء سيئة سيئة مثلها قال يعني القصاص في الجراحات والدماء . مقاتل :
وقال مجاهد ، هو جواب القبيح إذا قال : أخزاك الله ، يقول : أخزاك الله من غير أن يعتدي . والسدي :
ثم ذكر العفو ، فقال : فمن عفا أي : عمن ظلمه ، وأصلح بالعفو بينه وبين ظالمه ، فأجره على الله ضمن الله تعالى له أجره بالعفو ، وقال الحسن : إنه لا يحب الظالمين . إذا كان يوم القيامة ، قام مناد ، فنادى : من كان له على الله أجر فليقم ، فلا يقوم إلا من عفا ، ثم قرأ هذه الآية :
قال يعني من يبدأ بالظلم . مقاتل :
ثم ذكر المنتصر ، فقال : ولمن انتصر بعد ظلمه بعد ظلم الظالم إياه ، والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول ، كقوله : من دعاء الخير ، وبسؤال نعجتك ، فأولئك يعني : المنتصرين ما عليهم من سبيل بعقوبة ومؤاخذة .
إنما السبيل على الذين يظلمون الناس قال [ ص: 59 ] يريد : يبدأون بالظلم . ابن عباس :
ويبغون في الأرض بغير الحق يعملون فيها بالمعاصي .
ولمن صبر فلم ينتصر ، وغفر إن ذلك الصبر والتجاوز ، لمن عزم الأمور قال "من الأمور التي أمر الله بها . مقاتل :
وقال الصابر يؤتى بصبره ثوابا ، فالرغبة في الثواب أتم عزم . الزجاج :