الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون  وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون  أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون  بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون  

                                                                                                                                                                                                                                      وجعلوا الملائكة الجعل هاهنا بمعنى القول ، والحكم على الشيء ، كما تقول : جعلت زيدا أفضل الناس ، أي : وصفته بذلك ، وحكمت به ، الذين هم عباد الرحمن وقرئ : عند الرحمن وكل صواب ، وقد جاء التنزيل بالأمرين جميعا في وصف الملائكة ، وذلك قوله : بل عباد مكرمون ، وقوله : إن الذين عند ربك لا يستكبرون ، وفي قوله : عند الرحمن دلالة على رفع [ ص: 68 ] المنزلة ، والقربة من الكرامة ، وقوله : إناثا يعني قولهم : الملائكة بنات الله ، قال الله تعالى : أشهدوا خلقهم من الشهادة التي هي بمعنى الحضور ، وبخوا على ما قالوا ما لم يشاهدوا ، مما يعلم بالمشاهدة ، وقرأ نافع : أو أشهدوا خلقهم على أفعلوا من الإشهاد ، وقبلها همزة الاستفهام ، وتخفيف الهمزة الثانية على معنى : أحضروا خلقهم حتى علموا أنهم إناث ؟ وهذا كقوله : أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ، قال ابن عباس : يريد : أحضروا أم عاينوا خلقهم ؟ وقال الكلبي ، ومقاتل : لما قالوا هذا القول ، سألهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " وما يدريكم أنهم إناث ؟ " قالوا : سمعنا من آبائنا ، ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا أنهم إناث .

                                                                                                                                                                                                                                      فقال الله تعالى : ستكتب شهادتهم ويسألون عنها في الآخرة .

                                                                                                                                                                                                                                      وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعني : بني مليح من خزاعة ، كانوا يعبدون الملائكة ، وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم أي : بما قالوا من قولهم : الملائكة إناث ، وهم بنات الله ، أخبر الله تعالى أنهم لم يقولوا ذلك عن علم ، وأنهم كذبوا في ذلك ، وهو قوله : إن هم إلا يخرصون أي : ما هم إلا كاذبون فيما قالوا ، ولم يتعرض لقولهم : لو شاء الرحمن ما عبدناهم بشيء ، قال صاحب النظم : لأن هذا القول من الكفار حق ، وإن كان من الكفار .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا كقوله : وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء .

                                                                                                                                                                                                                                      وإن جعلت قوله : ما لهم بذلك من علم ردا لقولهم : لو شاء الرحمن ما عبدناهم كان المعنى : أنهم قالوا : إن الله قررنا على عبادتها ، فلا يعاقبنا ؛ لأنه رضي بذلك منا .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا كذب منهم ؛ لأن الله تعالى وإن أراد كفر الكافر لا يرضاه ، وتقريره الكافر على كفره ، لا يكون [ ص: 69 ] رضا منه .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : أم آتيناهم كتابا من قبله يقول : هل أعطيناهم كتابا من قبل القرآن ، بأن يعبدوا غير الله ، فهم به مستمسكون يأخذون بما فيه ؟ ثم أعلم أنهم اتبعوا ملة آبائهم في الضلالة ، فقال : بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة على سنة وملة ، ودين ، وإنا على آثارهم مهتدون جعلوا أنفسهم باتباع آبائهم مهتدين ، وليست لهم حجة إلا تقليد آبائهم .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية