الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو القاسم بن عبدان ، نا محمد بن عبد الله البايع ، نا محمد بن يعقوب الشيباني ، نا محمد بن عبد الوهاب ، أنا يعلى بن عبيد ، نا أبان بن إسحاق ، عن الصباح بن محمد ، عن مرة ، عن عبد الله : أهم يقسمون رحمت ربك [ ص: 71 ] نحن قسمنا بينهم معيشتهم الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      قال عبد الله : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من أحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا من أحب فمن أعطاه الدين فقد أحبه .  

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة في قوله : نحن قسمنا بينهم معيشتهم : تلقى الرجل ضعيف الحيلة ، عيي اللسان ، وهو مبسوط له في الرزق ، وتلقاه شديد الحيلة ، بسط اللسان ، وهو مقتر عليه .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات يعني : الفضل في الغنى والمال ، ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ليستخدم بعضهم بعضا ، فيتسخر الأغنياء بأموالهم الفقراء ، ليلتئم قوام أمر العالم ، وقال قتادة : ليملك بعضهم بما لهم بعضا ، فيتخذونهم عبيدا ومماليك .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : ورحمت ربك خير مما يجمعون يعني : الجنة للمؤمنين خير مما يجمع الكفار من الدنيا ، أي : النبوة لك خير من أموالهم التي يجمعونها .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم أخبر عن قلة الدنيا عنده ، فقال : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لولا أن يجتمعوا على الكفر ، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لهوان الدنيا عندنا ، لبيوتهم سقفا من فضة يعني : سماء البيت ، وهو واحد يدل على الجمع ، وعلم بقوله : لبيوتهم أي : أن لكل بيت سقفا ، وقرئ : سقفا وهو جمع سقف ، مثل رهن ورهن ، وفرس ورد ، وخيل ورد ، ومعارج يعني : الدرج ، عليها يظهرون يرتقون ويعلون ، يقال : ظهر على البيت وعلى السطح ، إذا علاه .

                                                                                                                                                                                                                                      ولبيوتهم أبوابا أي : من فضة ، وسررا من فضة ، وهو جمع سرير ، عليها يتكئون من الاتكاء ، وهو التحامل على الشيء .

                                                                                                                                                                                                                                      وزخرفا كلهم قالوا : إنه الذهب .

                                                                                                                                                                                                                                      والمعنى : ونجعل لهم مع ذلك ذهبا وغنى ، ومعنى الآية : لولا أن تميل الدنيا بالناس ، فيصير الخلق كفارا ، لأعطى الله [ ص: 72 ] الكافر في الدنيا غاية ما يتمنى فيها ، لقلتها عنده ، ولكنه عز وجل لم يفعل ذلك ، لعلمه بأن الغالب على الخلق حب العاجلة ،  ثم أخبر أن جميع ما ذكر إنما يتمتع به في الدنيا ، فقال : وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا الفراء على تخفيف لما وهو لغو ، والمعنى : لمتاع الحياة الدنيا ، وقرأ حمزة : لما بالتشديد ، جعله في معنى إلا ، حكى سيبويه : نشدتك الله لما فعلت ، بمعنى : إلا فعلت ، ويقوي هذه القراءة أن في حرف أبي : وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا قال ابن عباس : يزول ويذهب .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال مقاتل : يتمتعون فيها قليلا .

                                                                                                                                                                                                                                      والآخرة يعني : الجنة ، عند ربك للمتقين خاصة لهم .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية