ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم
ومنهم يعني : من المنافقين ، كانوا يستمعون إلى خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة ، وكان يعرض بهم ، ويعينهم ، فإذا خرجوا من المسجد ، قالوا لأولي العلم من الصحابة : ماذا قال آنفا أي : الساعة ، ومعنى الآنف من الائتناف ، يقال : ائتنفت الأمر ، أي : ابتدأته ، وأصله من الأنف وهو ابتداء كل شيء ، وإنما سألوا أولي العلم ، لأنهم لم يعقلوا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ، لمنع الله تعالى إياهم عن ذلك ، وهو قوله : أولئك الذين طبع الله على قلوبهم قال ختم الله على قلوبهم بالكفر ، فلا يعقلون الإيمان . مقاتل :
واتبعوا أهواءهم في الكفر والنفاق .
والذين اهتدوا يعني : أهل الإسلام ، زادهم ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ، هدى قال كلما أتاهم من الله تنزيل فرحوا به ، فزادهم الله به هدى . الضحاك :
وآتاهم تقواهم وفقهم للعمل بما أمروا به ، وهو التقوى ، ويجوز أن يكون المعنى : وآتاهم ثواب تقواهم ، أي : في الآخرة .
ثم خوف كفار مكة بقرب الساعة ، وأنها إذا أتت لم يقبل منهم شيء ، فقال : فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وقد تقدم تفسير هذا في آي كثيرة ، وقوله : فقد جاء أشراطها أي : علاماتها واحدها شرط ، قال معالمها . ابن عباس :
يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم من أشراطها ، وقد قال : "بعثت أنا والساعة كهاتين " .
وقال يعني : أعلامها من انشقاق القمر ، والدخان ، وخروج النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد عاينوا هذا كله . مقاتل :
فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم قال يقول : أنى لهم أن يتذكروا ، أو يتوبوا إذا جاءتهم الساعة . قتادة :
وقال من أين لهم التوبة إذا جاءتهم الساعة ؟ ومثله قوله : عطاء : يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى .
وقوله : فاعلم [ ص: 125 ] أنه لا إله إلا الله قال الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره ، ويجوز أن يكون المعنى : أقم على ذلك العلم ، واثبت عليه . الزجاج :
ويجوز أن يكون هذا متعلقا بما قبله ، على معنى : إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا إله إلا الله ، يعني : أن الممالك تبطل عند ذلك ، فلا ملك ، ولا حكم لأحد إلا الله تعالى ، واستغفر لذنبك إنما أمر بالاستغفار مع أنه مغفور له ، لتستن به أمته في الاستغفار .
أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان العدل ، نا أحمد بن جعفر بن مالك ، نا حدثني عبد الله بن أحمد بن حنبل ، أبي ، نا عن إسماعيل ابن علية ، عن خالد الحذاء ، الوليد بن أبي بشر ، عن حمدان ، عن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عثمان بن عفان ، " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة " .
رواه عن مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وهذا يدل على أن المراد بقوله : إسماعيل ابن علية ، فاعلم أنه لا إله إلا الله الدوام والثبات عليه .
أخبرنا أبو القاسم الحذامي ، نا محمد بن عبد الله الضبي ، نا أحمد بن عبيد الحافظ ، نا محمد بن المغيرة السكري ، نا نا محمد بن القاسم الأسدي ، عن سفيان الثوري ، أبي إسحاق ، عن عبيد بن المغيرة ، يقول : سمعت رضي الله عنه وتلا قول الله عز وجل : حذيفة بن اليمان فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ، قال : كنت رجلا ذرب اللسان على أهلي ، فقلت : يا رسول الله ، إني لأخشى أن يدخلني لساني النار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فأين أنت من الاستغفار ؟ إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة " وقوله : وللمؤمنين والمؤمنات هذا إكرام من الله تعالى لهذه الأمة ، حين أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لذنوبهم ، وهو الشفيع المجاب فيهم ، ثم أخبر عن علمه بأحوال الخلق ومآلهم ، بقوله تعالى : والله يعلم متقلبكم ومثواكم قال متصرفكم في أعمالكم في الدنيا ، ومصيرهم في الآخرة ، إلى الجنة أو إلى النار . ابن عباس :
وقال منتشركم بالنهار ، ومأواكم بالليل . مقاتل :
والمعنى : أنه عالم بجميع أحوالكم ، فلا يخفى عليه شيء منها .