ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد
قوله : ولقد خلقنا الإنسان ابن آدم ، ونعلم ما توسوس به نفسه يحدث به قلبه ، أي : نعلم ما يخفى ، ويكن في نفسه ، ونحن أقرب إليه بالعلم ، من حبل الوريد وهو عرق يتفرق في البدن ، [ ص: 165 ] مخالط للإنسان في جميع أعضائه ، وذلك أن أبعاض الإنسان يحجب بعضها بعضا ، ولا يحجب علم الله عنه شيء .
ثم ذكر أنه مع علمه ، وكل به ملكين ، يكتبان ويحفظان عليه عمله ، إلزاما للحجة ، فقال : إذ يتلقى المتلقيان قال يعني : الملكين يتلقيان عمل ابن آدم ومنطقه ، أي : يأخذان ذلك ويثبتانه . مقاتل :
والتلقي : الأخذ ، ذكر ذلك عند قوله : فتلقى آدم من ربه كلمات ، عن اليمين وعن الشمال قعيد أراد : عن اليمين قعيد ، وعن الشمال قعيد ، فاكتفى بأحدهما عن الآخر ، والمراد بالقعيد هاهنا : الملازم الذي لا يبرح ، لا القاعد الذي هو ضد القائم .
قال عن اليمين كاتب الحسنات ، وعن الشمال كاتب السيئات . مجاهد :
ما يلفظ من قول ما يتكلم عن كلام ، فيلفظه ، أي : يرميه من فمه ، إلا لديه رقيب حافظ ، يعني : الملك الموكل به : إما صاحب اليمين ، وإما صاحب الشمال ، عتيد حاضر معه أينما كان .
أخبرنا أبو منصور بن أبي طاهر ، أنا أبو عمرو بن مطر ، أنا جعفر بن محمد بن المستفاض ، نا نا إبراهيم بن العلاء ، إسماعيل ، عن عن عاصم بن رجاء بن حيوة ، عن عروة بن رويم ، القاسم ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات ، عن العبد المسلم المخطئ أو المسيء ، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها ، وإلا كتب واحدة " .
أخبرنا المفضل بن [ ص: 166 ] إسماعيل ، أنا جدي الإمام أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ، أنا الحسن بن علي بن سليمان القطان ، نا إسماعيل هو ابن علي مولى عيسى العطار ، نا المسيب بن شريك ، عن عن بشر بن نمير ، القاسم ، عن أبي أمامة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال ، فإذا عمل حسنة كتبها له صاحب اليمين بعشر أمثالها ، وإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها ، قال له صاحب اليمين : أمسك ، فيمسك عنه سبع ساعات ، فإن استغفر الله منها لم يكتب عليه شيء ، وإن لم يستغفر كتبت عليه سيئة واحدة" .
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم ، أنا محمد بن أحمد بن حامد العطار ، نا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار ، نا شريح بن يونس ، نا هشيم ، عن الهيثم بن جماز ، عن عن ثابت البناني ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنس بن مالك " إن الله تعالى وكل بعبده ملكين يكتبان عليه ، فإذا مات قالا : يا رب قد قبضت عبدك فلانا ، فإلى أين ؟ قال : سمائي مملوءة من ملائكتي يعبدونني وأرضي مملوءة من خلقي يطيعونني ، اذهبا إلى قبر عبدي فسبحاني ، وكبراني ، وهللاني ، واكتبا ذلك في حسنات عبدي إلى يوم القيامة" .
قوله : وجاءت سكرة الموت أي : غمرته ، وشدته التي تغشى [ ص: 167 ] الإنسان ، وتغلب على عقله ، بالحق قال يعني : أنه حق كائن . مقاتل :
ويقال لمن جاءته سكرة الموت : ذلك أي : ذلك الموت ، ما كنت منه تحيد تهرب وتميل ، يقال : حاد عنه يحيد حيدا إذا مال عنه .
قال أبو عباس : تكره .
ونفخ في الصور يعني : نفخة البعث ، ذلك اليوم ، يوم الوعيد قال يعني بالوعيد : العذاب في الآخرة . مقاتل :
والمعنى : ذلك يوم وقوع الوعيد .
وجاءت في ذلك اليوم ، كل نفس معها سائق يسوقها إلى المحشر ، وشهيد يشهد عليها بما عملت ، قال السائق هو الذي كان يكتب عليه السيئات ، والشهيد الذي كان يكتب الحسنات . الكلبي :
والمراد بالنفس هاهنا : نفس الكافر ، يدل عليه قوله : لقد كنت في غفلة من هذا أي : يقال له : لقد كنت في غفلة من هذا اليوم في الدنيا ، فكشفنا عنك غطاءك الذي كان في الدنيا يغشى قلبك ، وسمعك ، وبصرك ، فبصرك اليوم حديد فأنت اليوم عالم ، نافذ البصر ، تبصر ما كنت تنكر في الدنيا .