الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ثم أمره بالإعراض عنهم، بقوله: فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا  ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى  ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي [ ص: 201 ] الذين أحسنوا بالحسنى  الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى  

                                                                                                                                                                                                                                      فأعرض عن من تولى عن ذكرنا يعني: القرآن، وهذا مما نسخته آية القتال.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم صغر رأيهم، فقال: ذلك مبلغهم من العلم أي: لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكة بنات الله، وأن الأصنام تشفع لهم، فاعتمدوا ذلك، وأعرضوا عن القرآن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله أي: أنه عالم بهم، فهو يجازيهم، وهو أعلم بمن اهتدى أي: أنه عالم بالفريقين، فلا يذهب عليه جزاؤهما.

                                                                                                                                                                                                                                      ولله ما في السماوات وما في الأرض إخبار عن قدرته، وسعة ملكه، وهذا معترض بين الآية الأولى، وبين قوله: ليجزي الذين أساءوا الآية، واللام في "ليجزي" متعلق بمعنى الآية الأولى؛ لأنه إذا كان أعلم بهم، جازى كلا بما يستحقه، وهي لام العاقبة؛ وذلك لأن علمه بالفريقين أدى إلى جزائهم باستحقاقهم، وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك؛ لذلك أخبر به في قوله: ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي في الآخرة، الذين أساءوا أشركوا، بما عملوا من الشرك، ويجزي الذين أحسنوا وحدوا ربهم، بالحسنى بالجنة.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم نعتهم، فقال: الذين يجتنبون كبائر الإثم وهو: كل ذنب ختم بالنار، والفواحش كل ذنب فيه الحد، وقرأ حمزة كبير الإثم لأنه مضاف إلى واحد في اللفظ، وإن كان يراد به الكثرة، فلتوحيده في اللفظ وحد الكبير، وقوله: إلا اللمم يعني: صغائر الذنوب، كالنظرة، والقبلة، وما كان دون الزنا، وهذا قول ابن مسعود ، وأبي هريرة ، والشعبي ، ويصدق هذا ما:

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا به محمد بن المفضل النسوي ، أنا أبو القاسم النسوي ، أنا أبو الحسن بن سفيان ، حدثني عبد الله بن فضالة ، أنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال: سمعت ابن عباس ، يقول: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين [ ص: 202 ] النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تشتهي وتمنى ويصدق ذلك ويكذبه الفرج"   .

                                                                                                                                                                                                                                      فإن تقدم بفرجه كان الزنا وإلا فهو اللمم.

                                                                                                                                                                                                                                      رواه البخاري ، عن محمود بن غيلان ، عن عبد الرزاق وقال ابن عباس : هو أن يلم بالذنب مرة، ثم يتوب منه، ولا يعود.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قول الحسن ، والسدي ، قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وسلم، يقول:


                                                                                                                                                                                                                                      إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما



                                                                                                                                                                                                                                      وهذا القول اختيار أبي إسحاق ، فقال: اللمم هو: أن يكون الإنسان قد ألم بالمعصية، ولم يقم على ذلك.

                                                                                                                                                                                                                                      ويدل على هذا قوله: إن ربك واسع المغفرة قال ابن عباس : لمن فعل ذلك، ثم تاب.

                                                                                                                                                                                                                                      وتم الكلام هاهنا، ثم قال: هو أعلم بكم يعني: قبل أن خلقكم، إذ أنشأكم من الأرض يريد: ما كان من خلق آدم من التراب، وإذ أنتم أجنة جمع جنين، في بطون أمهاتكم قال الحسن : علم الله تعالى من كل نفس ما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة.

                                                                                                                                                                                                                                      فلا تزكوا أنفسكم لا تبرئوها عن الآثام، ولا تمدحوها بحسن أعمالها، يدل على هذا ما روي أن زينب بنت أبي سلمة ، قالت: سميت برة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بالبر منكم"   .

                                                                                                                                                                                                                                      هو أعلم بمن اتقى أي: بر، وأطاع، وأخلص العمل لله.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية