الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      بسم الله الرحمن الرحيم.

                                                                                                                                                                                                                                      ويل للمطففين  الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون  ليوم عظيم  يوم يقوم الناس لرب العالمين  

                                                                                                                                                                                                                                      ويل للمطففين وهم الذين ينقصون المكيال والميزان، قال أبو عبيدة ، والمبرد : المطفف الذي يبخس في الكيل والوزن. قال الزجاج : وإنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان: مطفف؛  لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الكلبي : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسيؤون كيلهم ووزنهم لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم، فنزلت هذه الآيات.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال السدي : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها رجل يقال له أبو جهينة ، ومعه صاعان، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

                                                                                                                                                                                                                                      حدثنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري بقراءته علينا، نا الحسن بن أحمد بن علي بن مخلد ، أنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ ، نا عبد الرحمن بن بشر ، نا علي بن الحسين بن واقد ، حدثني أبي، حدثني يزيد النحوي ، أن عكرمة حدثه، عن ابن عباس ، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله عز وجل ويل للمطففين فأحسنوا الكيل بعد ذلك وروى [ ص: 441 ] الضحاك ، ومجاهد ، وطاوس ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "خمس بخمس". قالوا: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال: "ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله عز وجل إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر" .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال مالك بن دينار : دخلت على جار لي، وقد نزل به الموت، فجعل يقول: جبلين من نار، جبلين من نار. فقلت: ما تقول؟ أتهجر؟ قال: يا أبا يحيى ، كان لي مكيالان، كنت أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر. قال: فقمت، فجعلت أضرب أحدهما بالآخر. فقال: يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر ازدادا عظما، فمات في مرضه.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم بين أن المطففين من هم، فقال: الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون الاكتيال: الأخذ بالكيل، قال الفراء : يريد اكتالوا من الناس، وعلى ومن في هذا الموضع يعتقبان. وقال الزجاج : المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، ولم يذكر اتزنوا؛ لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع، فأحدهما يدل على الآخر. قال المفسرون: يعني: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، وإذا باعوا، أو وزنوا لغيرهم نقصوا.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قوله: وإذا كالوهم أو وزنوهم أي: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، يقال: كلتك الطعام أي: كلت لك، كما تقول: نصحتك ونصحت لك. قال الفراء : وهو من كلام أهل الحجاز ومن جاورهم. وقوله: يخسرون أي: ينقصون كقوله: ولا تخسروا الميزان وقد مر.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم خوفهم، فقال: ألا يظن ألا يعلم، أولئك الذين يفعلون ذلك، أنهم مبعوثون ليوم عظيم وهو يوم القيامة، قال ابن عباس : يريد: ألا يستيقن من فعل هذا أنه مبعوث ومحاسب.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال مقاتل : ألا يستيقن المطفف في الكيل والوزن بالبعث يوم القيامة؟  ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال: يوم يقوم الناس قال الزجاج : "يوم" منصوب بقوله: مبعوثون ، المعنى: ألا يظنون أنهم مبعوثون يوم القيامة، والمعنى: يوم يقوم الناس من قبورهم، لرب العالمين أي: لأمره، أو لجزائه، أو حسابه، وقال جماعة من المفسرين: يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم.

                                                                                                                                                                                                                                      ويدل على صحة هذا الحديث المجمع على صحته وهو ما: [ ص: 442 ] أخبرنا الفضيل بن أحمد البارودي ، أنا أبو علي الفقيه ، أنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، نا أبو نصر التمار ، نا حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية يوم يقوم الناس لرب العالمين قال: يقومون حتى يبلغ الرشح إلى أطراف آذانهم.  

                                                                                                                                                                                                                                      رواه مسلم ، عن أبي نصر التمار ، ورواه البخاري من طريق مالك ، عن نافع.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية