الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      بسم الله الرحمن الرحيم. والسماء والطارق  وما أدراك ما الطارق  النجم الثاقب  إن كل نفس لما عليها حافظ  فلينظر الإنسان مم خلق  خلق من ماء دافق  يخرج من بين الصلب والترائب  إنه على رجعه لقادر  يوم تبلى السرائر  فما له من قوة ولا ناصر  

                                                                                                                                                                                                                                      والسماء والطارق قال المفسرون: أقسم الله تعالى بالسماء والطارق، يعني: الكواكب تطرق بالليل، وتخفى بالنهار.  قال الفراء : الطارق : النجم؛ لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلا فهو طارق، ونحو هذا قال الزجاج ، والمبرد .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وما أدراك ما الطارق وذلك أن هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلا، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدري ما المراد به لو لم يبينه بقوله تعالى: النجم الثاقب أي: المضيء، والنجم الثاقب اسم الجنس وأريد به العموم، قال ابن زيد : أراد به الثريا، والعرب تسميه النجم، ذكرنا ذلك عند قوله: والنجم إذا هوى ، وجواب القسم قوله تعالى: إن كل نفس لما عليها حافظ أقسم الله تعالى بما ذكر، أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة  ، يحفظ عملها، وقولها، وفعلها، ويحصي ما تكتسب من خير أو شر. وفي قوله: لما عليها قراءتان: التخفيف والتشديد، فمن خفف كان ما لغوا، والمعنى: لعليها حافظ، [ ص: 465 ] ومن شدد جعل لما بمعنى إلا، تقول: سألتك لما فعلت بمعنى إلا فعلت.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم نبه على البعث، بقوله: فلينظر الإنسان قال مقاتل : يعني: المكذب بالبعث. مم خلق من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكر والاستدلال، حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم ذكر من أي شيء خلقه، فقال: من ماء دافق قال ابن عباس : يعني: المني الذي يكون منه الولد، وهو ماء مهراق في رحم المرأة. والدفق صب الماء، يقال: دفقت الماء أي: صببته، و دافق هاهنا بمعنى: مدفوق، قال الفراء : وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم، كقولهم: سر كاتم، وهم ناصب، وليل نائم. وذكرنا مثل هذا عند قوله: لا عاصم اليوم .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم وصف ذلك الماء، فقال: يخرج من بين الصلب والترائب وهي موضع القلادة من الصدر، واحدها تريبة. قال عطاء : يريد صلب الرجل، وترائب المرأة، لا يكون إلا من الماءين.

                                                                                                                                                                                                                                      إنه على رجعه لقادر قال مجاهد : على أن يرد الماء في الإحليل. وقال عكرمة ، والضحاك : على أن يرد الماء في الصلب. وقال مقاتل بن حيان : يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبى، ومن الصبى إلى النطفة.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة : إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته لقادر. وهذا هو الاختيار، لقوله: يوم تبلى السرائر أي: إنه قادر على بعثه يوم القيامة، ومعنى الرجع: رد الشيء إلى أول حاله، و تبلى قال قتادة : تختبر. وقال مقاتل : تظهر. والسرائر: أعمال بني آدم ، والفرائض التي أوجبت عليهم، وهي سرائر بين الله وبين [ ص: 466 ] العبد، فتختبر تلك يوم القيامة، حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤداها عن مضيعها.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي ، أنا حامد بن محمد الهروي ، أنا محمد بن يونس القرشي ، نا أبو علي الحنفي ، نا عمران القطان ، عن قتادة ، عن خليد العصري ، عن أبي الدرداء ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ضمن الله تعالى لخلقه أربع خصال:  الصلاة، والزكاة، وصوم شهر رمضان، والغسل من الجنابة" وهن السرائر التي قال الله: يوم تبلى السرائر .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرني عبد الرحمن بن الحسن الحافظ ، فيما أجاز لي أنا عمر بن أحمد الواعظ ، نا محمد بن عمران بن موسى الهمذاني ، نا إبراهيم بن محمد بن الحسن الأصبهاني ، نا الحسين بن القاسم الأصبهاني ، نا إسماعيل بن أبي زياد ، عن ثور ، عن خالد بن معدان ، عن معاذ ، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذه السرائر التي يبلى بها العباد في الآخرة؟  فقال: هي سرائركم في أعمالكم من الصلاة، والصيام والزكاة، والوضوء، والغسل من الجنابة، وكل مفروض؛ لأن الأعمال كلها سرائر خفية، فإن شاء قال الرجل: صليت ولم يصل، وإن شاء، قال: توضأت ولم يتوضأ فذلك قوله تعالى: يوم تبلى السرائر .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن عمر : يبدئ الله تعالى يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في الوجوه، وشيئا في الوجوه، يعني: أن من أداها كان وجهه مشرقا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.

                                                                                                                                                                                                                                      فما له أي: لهذا الإنسان المنكر للبعث، من قوة يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر ينصره من الله.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية