الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : وما ذبح على النصب قال ابن عباس : يريد : الأصنام التي تنصب وتعبد من دون الله .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الفراء : النصب : الآلهة التي تعبد من أحجار .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : النصب حجارة كانت لهم يعبدونها وهي الأوثان .

                                                                                                                                                                                                                                      وتقدير الآية على هذا القول : وما ذبح على اسم النصب .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال مجاهد ، وقتادة ، وابن جريج : كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها ، وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : وأن تستقسموا بالأزلام أي : تطلبوا علم ما قسم لكم من الخير والشر بالأزلام ، قال المفسرون : كان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا ، أو غزوا ، أو تجارة ، أو غير ذلك طلب من الأزلام ، وهي قداح كانت في الكعبة عند سدنة البيت مكتوب على بعضها : أمرني ربي ، وعلى بعضها : نهاني ربي ، فإن خرج السهم الآمر مضى لحاجته ، وإن خرج السهم الناهي لم يمض ، وواحد الأزلام : زلم وزلم .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : أخبر الله تعالى أن الاستقسام بالأزلام  حرام ، ولا فرق بين ذلك وبين قول النجمين : لا تخرج من أجل نجم كذا ، واخرج من أجل طلوع نجم كذا ؛ لأن الله تعالى يقول : وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وذلك دخول في علم الله الذي هو غيب ، فهو حرام كالأزلام التي ذكرها الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد روى أبو الدرداء ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "من تكهن أو استقسم ، أو تطير ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة "   .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 153 ] وقوله : ذلكم فسق أي : الاستقسام بالأزلام فسق ، وهو كل ما يخرج به من الحلال إلى الحرام .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم قال الكلبي : نزلت لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في حجة الوداع ، يئس أهل مكة أن يرتد المسلمون راجعين إلى دينهم .

                                                                                                                                                                                                                                      فلا تخشوهم : أن يظهروا على دينكم ، واخشون : في مخالفة أمري .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : اليوم أكملت لكم دينكم أجمعوا على أن المراد باليوم يوم عرفة ، وهذه الآية نزلت يوم الجمعة يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء .

                                                                                                                                                                                                                                      ومعنى أكملت لكم دينكم أي : ببيان الفرائض والسنن والحدود والأحكام والحلال والحرام ، فلم ينزل بعد هذه الآية شيء من الفرائض .

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس في رواية الوالبي : بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله ، فلما صدق به المؤمنون زادهم الصلاة ، فلما صدقوا به زادهم الزكاة ، فلما صدقوا به زادهم الصيام ، فلما صدقوا به زادهم الحج ، فلما صدقوا به زادهم الجهاد ، ثم أكمل لهم الدين ، فقال اليوم أكملت لكم دينكم .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الزمجاري بها ، أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبي ، حدثنا جعفر بن عون ، قال : أخبرني أبو عميس ، عن قيس بن سالم ، عن طارق بن شهاب ، قال : جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال : يا أمير المؤمنين إنكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا .

                                                                                                                                                                                                                                      قال : وأي آية هي ؟ قال : قوله عز وجل : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي .

                                                                                                                                                                                                                                      قال : فقال عمر رضي الله عنه : والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 154 ] والساعة التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة يوم الجمعة .
                                                                                                                                                                                                                                       


                                                                                                                                                                                                                                      رواه البخاري ، عن الحسن بن الصباح ، ورواه مسلم ، عن عبد بن حميد ، كلاهما عن جعفر بن عون .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن الحارث ، أخبرنا عبد الله بن محمد الحافظ ، حدثنا أبو يحيى الرازي ، حدثنا سهل بن عثمان ، حدثنا ابن فضيل ، عن هارون بن أبي وكيع ، عن أبيه ، قال : لما نزلت هذه الآية اليوم أكملت لكم دينكم وهو يوم الحج الأكبر بكى عمر بن الخطاب ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما يبكيك ؟ فقال : يا رسول الله إنا كنا في زيادة من ديننا ، فأما إذا كمل فإنه لا يكمل شيء إلا نقص ، فقال : صدقت" .  

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : وأتممت عليكم نعمتي يريد : أنه أنجز لهم ما وعدهم في قوله : ولأتم نعمتي عليكم ، وكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : ورضيت لكم الإسلام دينا .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي ، أخبرنا أبو عمرو بن مطر ، حدثنا عبدوس بن أحمد الحافظ ، حدثنا الحسين بن عبد الله بن حمران الرقي ، حدثنا عصمة بن فضالة ، حدثنا موسى بن عقبة ، عن القاسم بن محمد ، [ ص: 155 ] عن عائشة رضي الله عنها ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عز وجل : "إني نظرت في الأديان فارتضيت لكم الإسلام دينا ، فأحسنوا صحبته بالسخاء وحسن الخلق ، فإن البخيل بعيد عن الله ، بعيد عن الجنة ، بعيد عن الناس ، قريب من النار "  وقوله : فمن اضطر في مخمصة قال الزجاج : من دعته الضرورة في مجاعة .

                                                                                                                                                                                                                                      والمخمصة : خلاء البطن من الطعام جوعا .

                                                                                                                                                                                                                                      غير متجانف لإثم قال قتادة : غير متعرض لمعصية .

                                                                                                                                                                                                                                      وأصله من الجنف الذي هو الميل ، غير متجانف : غير مائل لإثم : وهو أن يأكل من الميتة فوق الشبع تلذذا .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : فإن الله غفور رحيم قال ابن عباس : غفر الله له ما أكل مما حرم عليه حين اضطر إليه ، ورحيم بأوليائه حيث أحل لهم ما حرم عليهم في المخمصة إذا اضطروا إلى أكلها .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية