ثم أخبر الله تعالى عن كما نقضت هذه الطبقة فقال : نقض بني إسرائيل عهد الله ، ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال [ ص: 166 ] تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين
ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل قال الكلبي ، أخذ الله ميثاقهم على أن يعملوا بما في التوراة ، ومقاتل : وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا النقيب : الأمين الكفيل على قومه .
أخذ من كل سبط منهم نقيب فبعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى بالقتال معهم ليقفوا على أحوالهم ، ويرجعوا بذلك إلى قومهم ، فرجعوا ينهون عن قتالهم ، وكانوا قد تواثقوا بينهم أن لا يفعلوا ، فنكثوا العهد إلا رجلين : كالب بن يوفنا ، ويوشع بن نون .
وقال الله إني معكم بالعون والنصرة والدفع عنكم بهذه الشرائط ، وهي قوله : لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم التعزير : التوقير ، والتعزير : النصر باللسان والسيف .
قال : يريد : وقرتموهم . عطاء
وقال : نصرتموهم بالسيف . السدي
وقال أعنتموهم . مقاتل :
وأقرضتم الله قال : يعني الصدقات للفقراء والمساكين . ابن عباس
قرضا حسنا : قال الضحاك :
[ ص: 167 ] تبتغون به وجه الله ، وقال حلالا طيبا من أموالكم . ابن المبارك :
وقوله : فمن كفر بعد ذلك منكم أي : بعد العهد والميثاق فقد ضل سواء السبيل أخطأ قصد الطريق ، ثم أخبر عن نقضهم فقال : فبما نقضهم ميثاقهم ما صلة مؤكدة يريد : فبنقضهم ، كما قال : فبما رحمة من الله .
قال : إنهم كذبوا بالرسل بعد قتادة موسى ، وقتلوا الأنبياء ، ونبذوا كتاب الله ، وضيعوا فرائضه .
وقوله : لعناهم قال : عذبناهم بالجزية . ابن عباس
وقال عذبناهم بالمسخ . مقاتل :
وقال : أخرجناهم من رحمتنا . عطاء
وهو اختيار قال : باعدناهم من الرحمة . الزجاج
وجعلنا قلوبهم قاسية القسوة : الصلابة والشدة في كل شيء ، يقال : قسا يقسو قسوة فهو قاس وحجر قاس .
وقرأ قسية على وزن فعيلة بمعنى قاسية مثل عالم وعليم . حمزة
قال : ابن عباس وجعلنا قلوبهم قاسية يابسة عن الإيمان يحرفون الكلم عن مواضعه يعني : صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم ونسوا حظا مما ذكروا به قال : تركوا نصيبا مما أمروا به في كتابهم من اتباع ابن عباس محمد والإيمان به .
ولا تزال تطلع على خائنة منهم أي : على خيانة ، قال يعني بالخيانة : الغش للنبي صلى الله عليه وسلم . مقاتل :
وقال يمان بن زباب : على كذب وفجور .
وقال : على خيانة منهم مثلما خانوك حين هموا بقتلك . عطاء
[ ص: 168 ] وقوله : إلا قليلا منهم يعني : من أسلم منهم ولم ينقضوا العهد فاعف عنهم واصفح منسوخ بآية السيف إن الله يحب المحسنين يعني : المعافين المتجاوزين ، قال : إذا عفوت فأنت محسن . ابن عباس
قوله عز وجل : ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم قال أخذ عليهم الميثاق كما أخذ على أهل التوراة أن يؤمنوا مقاتل : بمحمد صلى الله عليه وسلم ويتبعوه ، وهو مكتوب عندهم في الإنجيل .
فنسوا حظا مما ذكروا به فتركوا ما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فكان ذلك الحظ ، فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة قال المؤرج : حرشنا بعضهم على بعض .
وقال النضر : هيجنا .
وقال ألقينا بينهم العداوة والبغضاء . الكلبي :
قال مجاهد ، ، وقتادة : يعني : بين اليهود والنصارى . والسدي
وقال الربيع : يعني : بين النصارى خاصة وذلك ما بين فرق النصارى من الاختلاف والعداوة ، وهذا اختيار ، قال : تأويل الزجاج فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء أي : صاروا فرقا يكفر بعضهم بعضا ، وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون وعيد لهم .
قال : لما ذكر نقضهم العهد وتركهم ما أمروا به دعاهم على أثر ذلك إلى الإيمان قتادة بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب قال عن عطاء : يريد : تكتمون مما في التوراة والإنجيل لأنهم أخفوا منه آية الرجم ، وأمر ابن عباس محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ، ويعفو عن كثير يتجاوز عن كثير مما كتموه فلا يخبرهم بكتمانه .
وقوله : قد جاءكم من الله نور ضياء من الضلالة وهدى ، يعني : الإسلام ، وقال : يعني : النبي صلى الله عليه وسلم . قتادة
وهو [ ص: 169 ] اختيار ، قال : النور : الزجاج محمد صلى الله عليه وسلم .
وهو الذي يبين ، وكتاب مبين يعني : القرآن فيه بيان ما يختلفون فيه .