الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين  لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين  إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين  فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين  فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين  من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله عز وجل : (واتل عليهم ) : واقرأ على قومك نبأ : خبر ابني آدم : قابيل وهابيل بالحق : كما كان إذ قربا قربانا كان هابيل صاحب غنم فنظر إلى خير كثير فتقرب إلى الله تعالى ، ونظر قابيل إلى شر قمحه فتقرب به إلى الله تعالى ، فنزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل ، ولم تحمل قربان قابيل ، فعلم أن الله تعالى قد قبل من أخيه ولم يقبل منه فحسده ، وهو قوله : فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال هابيل : إنما يتقبل الله من المتقين قال ابن عباس : قال له هابيل : إنما يتقبل الله ممن كان زاكي القلب .

                                                                                                                                                                                                                                      والمعنى : من المتقين للمعاصي .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله جل جلاله : لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك يقول هابيل لأخيه : لئن بدأتني بالقتل فما أنا بالذي أبدؤك بالقتل إني أخاف الله رب العالمين في قتلك .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 177 ] إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك قال ابن عباس ، والحسن ، وقتادة : تحتمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الزجاج : ترجع إلى الله بإثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك ، فتكون من أصحاب النار بالإثمين ، وذلك جزاء الظالمين قال ابن عباس : يريد : إن جهنم جزاء من قتل أخاه ظلما .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله جل جلاله : فطوعت له نفسه قتل أخيه قال مجاهد : شجعته نفسه على قتل أخيه .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة : زينت له نفسه .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن زباب : سهلت له ذلك .

                                                                                                                                                                                                                                      واختاره الأزهري فقال : المعنى : سهلت له نفسه قتل أخيه ، أي : جعلته سهلا وهونته .

                                                                                                                                                                                                                                      وتقدير الكلام : فصورت له نفسه أن قتل أخيه طوع له سهل عليه .

                                                                                                                                                                                                                                      فأصبح من الخاسرين قال ابن عباس : خسر دنياه وآخرته ، أما الدنيا فأسخط والديه وبقي بلا أخ ، وأما الآخرة فأسخط ربه وصار إلى النار .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أخبرنا حاجب بن أحمد ، حدثنا محمد بن حماد ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل من دمها ؛ لأنه أول من سن القتل "  رواه مسلم ، عن ابن نمير ، عن أبي معاوية .

                                                                                                                                                                                                                                      ورواه البخاري ،
                                                                                                                                                                                                                                      عن عمر بن حفص بن غياث ، عن أبيه كلاهما ، عن الأعمش .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو نصر أحمد بن علي القاضي ، حدثنا محمد بن يعقوب ، حدثنا محمد بن إسحاق [ ص: 178 ] الصغاني ، حدثنا عفان ، حدثنا همام ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ابن آدم الذي قتل أخاه عليه نصف عذاب أهل النار " .  

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو سعد بن أبي بكر الغازي ، أخبرنا محمد بن محمد بن إسحاق الحافظ ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الرفاء ، حدثنا محمد بن حميد ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحاق ، عن حكيم بن جبير ، عن سعيد بن جبير ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أشقى الناس رجلان : عاقر ناقة ثمود ، وابن آدم الذي قتل أخاه ، ما يسفك على الأرض دم إلا لحقه منه شيء لأنه أول من سن القتل" .  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله عز وجل : فبعث الله غرابا يبحث في الأرض قال المفسرون : إن قابيل لما قتل أخاه تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به ؛ لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم ، فحمله في جراب على ظهره حتى أروح فبعث الله غرابا يبحث في الأرض يثير التراب من الأرض .

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس : وكانا غرابين اقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ، وقابيل ينظر ، ثم بحث في الأرض حتى جعل له حفرة فدفنه فيها ، ففعل قابيل مثلما فعل الغراب .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 179 ] وتقدير الكلام : يبحث في الأرض على غراب ميت ليريه كيف يواري سوءة أخيه كيف يستر جيفة أخيه قال قابيل : يا ويلتى أي : قد لزمني الويل بحملي جيفة ميت ، أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين على حمله والتطواف به حين رأى الغراب فعل ذلك .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : من أجل ذلك أي : بسبب قتل قابيل أخاه كتبنا على بني إسرائيل قال عطاء : قضينا .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الكلبي : فرضنا على بني إسرائيل .

                                                                                                                                                                                                                                      أنه من قتل نفسا بغير نفس وجب عليه القصاص أو فساد في الأرض يعني : الإشراك بالله ، فكأنما قتل الناس جميعا قال مجاهد : من قتل نفسا محرمة يصلى النار بقتلها ، كما يصلاها لو قتل الناس جميعا .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الحسن : يجب عليه القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه القتل لو قتل الناس جميعا .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال سعيد بن جبير : من استحل قتل نفس فهو كذلك في دماء الناس كلهم لا يتحرج لها ، ومن أحياها : مخافة من الله ، وتحرجا من قتلها فكذلك يرى دماء الناس كلهم حراما .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا كما يروى عن قتادة ، والضحاك أنهما قالا : عظم الله أجرها ، وعظم وزرها ، فمن استحل قتل مسلم بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا ، لأنهم لا يسلمون منه ، ومن أحياها فحرمها وتورع عن قتلها فكأنما أحيا الناس جميعا لسلامتهم عنه .

                                                                                                                                                                                                                                      قال مجاهد : ومن لم يقتلها فقد أحياها .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات قال ابن عباس : بأن لهم صدق ما جاءوا به من الفرائض والحلال والحرام .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون مجاوزون حد الحق .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية