قوله عز وجل: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا الآية: قال ، الحسن ، وقتادة وعطاء ، عن : لما ذكر الله عز وجل الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله هذه الآية. ابن عباس
قال أهل المعاني: قوله: إن الله لا يستحيي خرج على لفظهم حيث قالوا: إن الله يستحي أن يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، فرد الله عليهم وقال: إن الله لا يستحيي أن يضرب ، كما أنهم لما قالوا للقرآن: هذا سحر مفترى، قال الله تعالى فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، وقال بعضهم: معنى قوله: "لا يستحيي" هو أن الذي يستحيا منه ما يكون قبيحا في نفسه ويكون لفاعله عيب في فعله، فأخبر الله سبحانه أن ضرب المثل منه ببعوضة فما فوقها ليس بقبيح ولا نقص ولا عيب، حتى يستحيا منه.
[ ص: 108 ] وقيل: معنى قوله: "لا يستحيي" لا يترك؛ لأن أحدنا إذا استحى من شيء تركه، ومعناه: إن الله لا يترك ضرب المثل ببعوضة فما فوقها إذا علم أن فيه عبرة لمن اعتبر وحجة على من جحد.
وقوله: "ما بعوضة" "ما" زائدة مؤكدة كقوله تعالى: فبما رحمة من الله ، ولا إعراب لها، والناصب والخافض يتعداها إلى ما بعدها، ونصبت بعوضة على أنها المفعول الثاني لـ"يضرب"؛ لأن "يضرب" هاهنا معناه: يجعل. هذا الذي ذكرنا هو قول البصريين، و(البعوض): صغار البق، الواحدة: بعوضة.
وقوله: "فما فوقها" قال : يعني الذباب والعنكبوت، وهما فوق البعوض، وقد استشهد على استحسان ضرب المثل الحقير في كلام العرب بقول الفرزدق: ابن عباس
ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل
ويقول أيضا:
وهل شيء يكون أذل بيتا من اليربوع يحتفر الترابا
وقوله: فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم : مدحهم الله بعلمهم أن المثل وقع في حقه، وذم الكافرين بإعراضهم عن طريق الاستدلال وإنكارهم ما هو صواب وحكمة، يقولون: أي شيء أراد الله بهذه الأمثال؟ وهذا استفهام معناه الإنكار، كأنهم قالوا: أي فائدة في ضرب المثل بهذا؟
وفي نصب قوله "مثلا" وجوه: أحدها: الحال؛ لأنه جاء بعد تمام الكلام، كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا مبينا؟
والثاني: التمييز والتفسير للمبهم، وهو هذا، كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا من الأمثال؟
والثالث: القطع، كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا المثل؟ إلا أنه لما جاء نكرة نصب على القطع من اتباع المعرفة. وهذا قول . الفراء
[ ص: 109 ] وأجاب الله تعالى الكفار عن قولهم: ماذا أراد الله بهذا مثلا فقال: يضل به كثيرا أي: أراد الله بهذا المثل أن يضل به كثيرا من الكافرين، وذلك أنهم ينكرونه ويكذبونه، ويهدي به كثيرا من المؤمنين، لأنهم يعرفونه ويصدقون به.
قال الأزهري : الإضلال في كلام العرب: ضد الهداية والإرشاد، يقال: أضللت فلانا إذا وجهته للضلال عن الطريق، وإياه أراد لبيد بقوله:
من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضل
ولا يجوز أن يكون معنى الإضلال الحكم والتسمية؛ لأن أحدنا إذا حكم بإضلال إنسان لا يقال: أضله. وهذا شيء لا يعرفه أهل اللغة.
قوله: وما يضل به إلا الفاسقين قال الليث : والفسوق: الترك لأمر الله.
وقال : الفسق: الخروج عن الطاعة، والعرب تقول: فسقت الرطبة عن قشرها، إذا خرجت. الفراء
وقال أبو الهيثم : وقد يكون الفسوق شركا، ويكون إثما، والذي أريد به هاهنا: الكفر.
ثم وصف هؤلاء الفاسقين فقال: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ومعنى النقض: الهدم وإفساد ما أبرمته من حبل أو بناء، ونقيض الشيء: ما ينقضه، أي: ما يهدمه ويرفع حكمه، و"عهد الله" وصيته وأمره، يقال: عهد الخليفة إلى فلان كذا وكذا، أي: أمره وأوصاه به، ومنه قوله تعالى: ألم أعهد إليكم يا بني آدم ، وذكر المفسرون في العهد المذكور في هذه الآية قولين: أحدهما: ما أخذوه على النبيين ومن اتبعهم، أن لا يكفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة الآية.
[ ص: 110 ] والثاني: أن يكون عهد الله الذي أخذه من بني آدم يوم الميثاق حين قال: ألست بربكم قالوا بلى ثم مجدوا ونقضوا ذلك العهد في حال كمال عقولهم. وهذا قول في رواية ابن عباس . عطاء
وقوله: من بعد ميثاقه : الميثاق: ما وقع من التوثيق، والكتاب أو الكلام الذي يستوثق به: ميثاق، والكتابة في الميثاق يجوز أن تكون عائدة على اسم الله، أي: من بعد ميثاق الله ذلك العهد بما أكد من إيجابه عليهم، ويجوز أن تعود على العهد، أي: من بعد ميثاق العهد وتوكيده.