وقوله: "ويفسدون في الأرض" قال : يحكمون بغير الحق، وقال غيره: يفسدون في الأرض بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان ابن عباس بمحمد صلى الله عليه وسلم.
"أولئك هم الخاسرون" بفوت المثوبة، والمصير إلى العقوبة، وأصل الخسران في التجارة، وهو نقصان رأس المال، ويقال فيه: الخسارة والخسر هذا هو الأصل، ثم قيل لكل صائر إلى مكروه: خاسر لنقصان حظه من الخير.
وقوله تعالى: كيف تكفرون بالله : كيف في الأصل: سؤال عن حال؛ لأن جوابه يكون بالحال كما تقول: كيف زيد؟ فيقال: صالح، أو سقيم.
قال : تأويل "كيف" هاهنا: استفهام في معنى التعجب، والتعجب إنما هو للخلق والمؤمنين، أي: أعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون بالله وقد ثبتت حجة الله عليهم. الزجاج
[ ص: 111 ] ونحو هذا قال : هذا على وجه التعجب والتوبيخ، لا على الاستفهام المحض، أي: ويحكم كيف تكفرون، وهذا كما يقال: كيف تكفر نعمة فلان وقد أحسن إليك؟ ومعنى الآية: على أي حال يقع منكم الكفر وحالكم أنكم كنتم أمواتا؟ قال الفراء -في رواية ابن عباس - أراد: كنتم ترابا، ردهم إلى أبيهم الضحاك آدم ، وفي رواية ، عطاء : وكنتم نطفا، وكل ما فارق الجسد من نطفة أو شعر فهو موات. وقوله "فأحياكم" في الأرحام بأن جعل فيكم الحياة، "ثم يميتكم" في الدنيا، "ثم يحييكم" للبعث، "ثم إليه ترجعون" فيفعل بكم ما يشاء. والكلبي
قوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا : قال المفسرون: لما استعظم المشركون أمر الإعادة عرفهم الله خلق السماوات والأرض ليدلهم بذلك على قدرته على الإعادة.
فقوله: "لكم" أي: لأجلكم، فما في الأرض كله مخلوق للآدميين، بعضه للانتفاع وبعضه للاعتبار كالسباع والعقارب والحيات، فإن فيها عبرة وتخويفا؛ لأنه إذا رئي طرف من المتوعد به كان ذلك أبلغ في الزجر عن المعصية.
وقوله عز وجل: ثم استوى إلى السماء : قال : الاستواء في كلام العرب على وجهين: أحدهما: أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته، أو يستوي من اعوجاج، ووجه ثالث: أن نقول: كان فلان مقبلا على فلان ثم استوى علي وإلي يكلمني، على معنى: أقبل علي وإلي، فهذا معنى قوله تعالى: الفراء ثم استوى إلى السماء .
وسئل أحمد بن يحيى ثعلب عن فقال: الاستواء: الإقبال على الشيء. قال [ ص: 112 ] الاستواء في صفة الله تعالى : قال قوم في قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء) : أي: عمد وقصد إلى السماء، كما تقول: فرغ الأمير من بلد كذا، ثم استوى إلى بلد كذا، معناه: قصد بالاستواء إليه، قال: وقول الزجاج : استوى إلى السماء، أي: صعد، معناه: صعد أمره إلى السماء، وحكى أهل اللغة أن العرب تقول: كان الأمير يدبر ابن عباس أهل الشام ثم استوى إلى أهل الحجاز ، أي: تحول فعله.
وقوله: فسواهن سبع سماوات : التسوية: جعل الشيئين أو الأشياء على استواء، يقال: سويت الشيئين فاستويا، وجمع الكناية في "فسواهن": لأنه أراد بالسماء: جمع سماءة، أو سماوة على ما ذكرنا.
وجائز أن تعود الكناية إلى أجزاء السماء ونواحيها، فالمعنى: جعلهن سبع سماوات مستويات بلا فطور ولا أمت.
"وهو بكل شيء عليم"؛ إذ بالعلم يصح الفعل المحكم، فأفعاله تدل على علمه.
وقوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة الآية، قال : إذ هاهنا زائدة، معناه: وقال ربك للملائكة، وأنكر أبو عبيدة وغيره هذا القول وقالوا: إن الحرف إذا أفاد معنى صحيحا لم يجز إلغاؤه، قالوا: وفي الآية محذوف، معناه: واذكر يا الزجاج محمد إذ قال ربك للملائكة. وأكثر المفسرين على أن كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فالذكر فيه مضمر، وأما الملائكة فقال سيبويه : واحدها: ملك، وأصلها: ملأك، مهموز، حذف همزه لكثرة الاستعمال، وأنشد:
فلست لإنس ولكن لملأك تنزل من جو السماء يصوب
[ ص: 113 ] وأصله من المألكة والألوك وهي الرسالة.
قوله: إني جاعل في الأرض خليفة : الخليفة: الذي يخلف الذاهب، أي: يجيء بعده، يقال: خلف فلان مكان فلان، وأصل الخليفة: خليف، بغير هاء؛ لأنه فعيل بمعنى فاعل كالعليم والسميع، فدخلت الهاء للمبالغة بهذا الوصف، وكما قالوا: راوية وعلامة، ألا ترى أنهم جمعوه خلفاء كما يجمع فعيل، ومن أنث لتأنيث اللفظ قال في الجمع: خلائف، وقد ورد التنزيل بها، قال الله تعالى: خلفاء من بعد قوم نوح ، وقال: خلائف في الأرض ، وأراد بالخليفة: آدم ، في قول جميع المفسرين، جعله خليفة عن الملائكة الذين كانوا سكان الأرض بعد الجن، وذلك أن الله خلق السماء والأرض، وخلق الملائكة والجن، فأسكن الملائكة السماء، وأسكن الجن الأرض، فعبدوا دهرا طويلا في الأرض ثم ظهر فيهم الحسد والبغي، فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث الله إليهم جندا من الملائكة يقال لهم: الجن، رأسهم إبليس، وهم خزان الجنان، اشتق لهم اسم من الجنة، فهبطوا إلى الأرض وطردوا الجن عن وجوهها إلى شعوب الجبال وجزائر البحور وسكنوا الأرض.
وكانوا أخف من الملائكة عبادة؛ لأن أهل السماء الدنيا أخف عبادة من الذين فوقهم، وكذلك أهل كل سماء، وهؤلاء الملائكة لما صاروا سكان الأرض خفف الله عليهم العبادة، فأحبوا البقاء في الأرض، وكان الله قد أعطى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنان، وكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة، فأعجب بنفسه وتداخله الكبر، فاطلع الله عز وجل على ما انطوى عليه من الكبر، فقال له ولجنده: إني جاعل في الأرض خليفة .
[ ص: 114 ]
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المزكي ، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن يحيى بن معاوية الطلحي ، حدثنا الحسين بن مطير بن راشد الأسدي المروزي ، حدثنا ، حدثنا هدبة بن خالد ، عن حماد بن سلمة ثابت ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: آدم جعل إبليس يطيف به، فلما نظر إليه فوجده أجوف، قال: ظفرت به خلقا لا يتماسك " لما خلق الله رواه " في الصحيح عن مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يونس بن محمد حماد .