إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم [ ص: 302 ] يعلمون وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون
قوله تعالى: إن الله فالق الحب والنوى قال الحب: ما لم يكن له نوى مثل البر والشعير، والنوى: مثل نوى التمر والخوخ وغيرهما. الكلبي:
فلقهما الله تعالى بالنبات.
وقال الحسن، وقتادة، فلق الحبة عن السنبلة، والنواة عن النخلة. والسدي:
وقال يشق الحبة اليابسة والنواة واليابسة فيخرج منها ورقا أخضر. الزجاج:
وقال يعني: الشقين اللذين فيهما. مجاهد:
وقوله: يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي قال يخرج من النطفة بشرا حيا، ثم يخرج النطفة الميتة من الحي. ابن عباس:
وقال يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. عطاء:
قال يخرج النبات الغض الطري من الحب اليابس، ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي. الزجاج:
ذلكم الله فأنى تؤفكون قال يريد: الله وحده يفعل هذا، فكيف تكذبون؟ والمعنى: كيف تصرفون عن الحق بعد هذا البيان؟ قوله: ابن عباس: فالق الإصباح الصبح والصباح والإصباح: أول ما يبدو من النهار، يقال: فلق الله الصبح.
أي: أبداه وأوضحه.
ومعنى فالق الإصباح: مبديه وموضحه، وذلك أن الفلق معناه في اللغة: الشق، وذلك راجع إلى الإبداء والإيضاح.
وقوله: وجعل الليل سكنا السكن: ما سكنت إليه، يريد: أن الناس يسكنون في الليل سكون الراحة، بأن جعل الله لهم ذلك سكنا.
[ ص: 303 ] قال يسكن فيه الخلق ويرجعونه إلى أوطانهم، وهو مثل قوله: الكلبي: هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه وقرأ أهل الكوفة وجعل الليل لأن اسم الفاعل الذي قبله بمعنى الماضي، فلما كان فاعل بمنزلة فعل عطف عليه فعل لموافقته له في المعنى، ويدلك أنه بمنزلة فعل قوله: والشمس والقمر -بالنصب - ألا ترى أنه لما كان المعنى في جاعل جعل نصب الشمس والقمر; لأن الليل في موضع نصب في المعنى، فرد الشمس والقمر على معناه.
وأما الحسبان: فهو مصدر كالحساب، يقال: حسبت أحسب حسابا وحسبانا.
وقال الأخفش، وأبو عبيدة، هو جمع حساب كركاب وركبان، وشهاب وشهبان. والمبرد:
ومعنى والشمس والقمر حسبانا أي: بحساب لا يتجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما، ذلك تقدير العزيز في ملكه يصنع ما أراد، العليم بما قدر من خلقهما.
قوله: وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر وذلك أن راكبي البحار، وسالكي القفار إنما يهتدون في الليل لمقاصدهم بالنجوم لولاها لضلوا ولم يهتدوا.
قد فصلنا الآيات بينا الدلائل على قدرتنا لقوم يعلمون.
وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة يعني: آدم، فمستقر ومستودع: قال ابن الأنباري: أراد فلكم مستقر ومستودع.
قال ابن عباس: مستقر في الرحم، ومستودع في الصلب.
وقال كريب: كتب حبر تيماء إلى يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه: المستودع: الصلب، والمستقر: الرحم. ابن عباس
[ ص: 304 ] وأما من كسر القاف، فقال العوفي: كل مخلوق قد فرغ من خلقه فهو المستقر الذي قد خلق واستقر في الرحم، والمستودع: قد استودع في الصلب.
وقال المستقر: الذي قد خلق واستقر في الرحم، والمستودع: الذي قد استودع في الصلب. عكرمة:
والتقدير على هذه القراءة: فمنكم مستقر ومستودع، والمستقر بفتح القاف اسم للمكان وهو بمعنى المقر، وبكسر القاف بمعنى القار، يقال: قر مكانه واستقر.
والمستودع مثل المودع، يقال: استودعته الشيء وأودعته.
وهو الإنسان المودع في الصلب.
أخبرنا الإمام أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا شعيب بن محمد البيهقي، أخبرنا حدثنا مكي بن عبدان، حدثنا أبو الأزهر، حدثنا روح، عن شعبة، أبي إسحاق، عن وأبي بشر، قال: قال لي سعيد بن جبير، ابن عباس: هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: أما إنه ما كان من مستودع في ظهرك فسيخرجه الله تعالى.
قوله: وهو الذي أنزل من السماء ماء يعني: المطر، فأخرجنا به نبات كل شيء لأن كل ما ينبت فنباته بالماء، فأخرجنا منه خضرا الخضر: مثل الأخضر، كالعور مثل الأعور.
يعني: ما كان رطبا أخضر مما ينبت من القمح والشعير وغيرهما، نخرج منه: من الخضر حبا متراكبا: بعضه على بعض في سنبلة واحدة.
قوله: ومن النخل من طلعها وهو أول منها من العذق قنوان دانية: قال عذوق متدلية، وهي جمع قنو، وإذا ثنيت قلت: قنوان بكسر النون، قاله قتادة: ثم جاء جمعه على لفظ الاثنين، مثل: صنو وصنوان، والإعراب في النون للجمع، وليس لهما في كلام العرب نظير، ومعنى دانية تدنو ممن يجتنيها. أبو عبيدة،
[ ص: 305 ] قال ولم يقل: منها قنوان بعيدة اكتفاء بذكر القريبة، كما قال: الزجاج: سرابيل تقيكم الحر قال في رواية ابن عباس قنوان دانية يعني: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض. الوالبي
وقوله: وجنات من أعناب الوجه كسر التاء لأنها في موضع نصب نسقا على قوله: خضرا أي: فأخرجنا خضرا وجنات من أعناب، ومن رفع فقال رفعت بمضمر بعدها، تأويله: وجنات من أعناب أخرجناها، فجرى مجرى قول العرب: أكرمت عبد الله وأخوه، يريدون: وأخوه أكرمته أيضا. ابن الأنباري:
وقوله: والزيتون والرمان يعني: وشجر الزيتون وشجر الرمان مشتبها وغير متشابه قال المفسرون: مشتبها ورقهما مختلفا ثمرهما، انظروا إلى ثمره إذا أثمر انظروا إليه أول ما يعقد نظر استدلال واعتبار، والثمر: جمع ثمرة، ويجمع على ثمار أيضا، وثمر مثل خشبة وخشب وأكمة وأكم.
وينعه: والينع: النضج، يقال: ينع يينع بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل، ويقال أيضا: بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل.
وقوله: إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون قال يصدقون أن الذي يخرج هذا النبات قادر على أن يحيي الموتى. ابن عباس: