الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين  ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين  ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين  ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين  

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: وهو الذي أنشأ أي: أظهر وأبدع جنات معروشات يعني: ما يعرش له من الكروم، وغير معروشات: ما قام على ساق كالشجر والزرع،والنخل والزرع مختلفا أكله يعني: ثمر النخل وحب الزرع لكل واحد منهما طعم غير طعم الآخر، فمن ثمر النخل: الحامض والمر والحلو والجيد والرديء، وكل حب من الحبوب له طعم آخر، والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه تقدم تفسيره.

                                                                                                                                                                                                                                      كلوا من ثمره إذا أثمر أمر إباحة، وآتوا حقه يوم حصاده ، وحصاده وهما لغتان كالجزاز والجزاز، والقطاف والقطاف.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 330 ] قال ابن عباس، والحسن، وسعيد بن المسيب: يعني: العشر ونصف العشر، وهذا في النخيل لأن ثمارها إذا حصدت وجب إخراج ما يجب منها من الصدقة.

                                                                                                                                                                                                                                      والزرع محمول عليه في وجوب الإخراج، إلا أنه لا يمكن ذلك عند الحصاد فيؤخر ذلك إلى زمان التنقية.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ولا تسرفوا قال ابن عباس في رواية الكلبي: عن ثابت بن قيس الأنصاري: فصرم خمس مائة نخلة وقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا، فكره الله ذلك له وأنزل: ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ، أسرف حين لم يترك لأهله شيئا.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج: والتأويل على هذا أن الإنسان إذا أعطى كل ماله، ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف; لأنه قد جاء في الخبر: ابدأ بمن تعول فهذا مجاوزة حد الإعطاء.

                                                                                                                                                                                                                                      قال سعيد بن المسيب: معناه لا تمنعوا الصدقة، وتأويل هذا: لا تتجاوزوا الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ومن الأنعام حمولة وفرشا أي: وأنشأ من الأنعام حمولة: وهي ما أطاق العمل من الإبل، وفرشا: وهو الصغار من الإبل التي لا تحمل.

                                                                                                                                                                                                                                      كلوا مما رزقكم الله قال الزجاج: لا تحرموا ما حرمتم مما جرى ذكره، ولا تتبعوا خطوات الشيطان لا تسلكوا طريقه، إنه لكم عدو مبين ظاهر العداوة أخرج أباكم من الجنة، وقال لأحتنكن ذريته.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 331 ] قوله: ثمانية أزواج وهي الضأن والمعز والإبل والبقر، وجعلها ثمانية وهي أربعة; لأنه أراد ذكرا وأنثى من كل صنف، فالذكر زوج والأنثى زوج، قال الله تعالى: وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى .

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قوله: من الضأن اثنين يعني: الذكر والأنثى.

                                                                                                                                                                                                                                      والضأن: ذوات الصوف من الغنم.

                                                                                                                                                                                                                                      ومن المعز اثنين ، وقرئ بفتح العين، وهما لغتان، والمعز: ذوات الشعر من الغنم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: قل آلذكرين حرم أم الأنثيين كان المشركون يحرمون أجناسا من النعم بعضها على الرجال والنساء، وبعضها على النساء دون الرجال، فاحتج الله عليهم بهذه الآية والتي بعدها فقال: قل آلذكرين: من الضأن والمعز حرم الله عليكم أم الأنثيين فإن حرم الذكرين منهما فكل ذكورهما حرام، وإن حرم الأنثيين منهما فكل الإناث حرام.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين يقول: وإن كان قد حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الضأن والمعز فقد حرم الأولاد، وكلها أولاد، فكلها حرام.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: نبئوني بعلم: قال الزجاج: أي: فسروا ما حرمتم بعلم إن كنتم صادقين أن الله حرم ذلك.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ومن الإبل اثنين مفسر إلى قوله أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا أي: هل شاهدتم الله حرم هذا إذ كنتم لا تؤمنون برسول.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم بين أنهم فعلوا ذلك كذبا على الله فقال: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم قال ابن عباس: يريد: عمرو بن لحي ومن جاء بعده.

                                                                                                                                                                                                                                      إن الله لا يهدي القوم الظالمين قال: يريد: المشركين.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية