الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون  فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون  والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين  

                                                                                                                                                                                                                                      وقطعناهم في الأرض أمما فرقهم الله فتشتت أمرهم ولم تجتمع لهم كلمة، منهم الصالحون قال ابن عباس، ومجاهد: هم الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به، ومنهم دون ذلك يريد: الذين كفروا، وبلوناهم عاملناهم معاملة المبتلي المختبر، بالحسنات وهي: الخصب والعافية، والسيئات وهي الجدب والشدائد، وكل واحد من الحسنات والسيئات يدعو إلى الطاعة: أما النعم فلارتباطها والازدياد منها، وأما النقم فلكشفها، والسلامة منها، وقوله: لعلهم يرجعون قال ابن عباس: كي يتوبوا.

                                                                                                                                                                                                                                      فخلف بعد هؤلاء الذين قطعهم الله، خلف من اليهود، وهم أولادهم الذين أتوا بعدهم، قال ابن السكيت: يقال: هذا خلف صدق، وهذا خلف سوء، وهؤلاء خلف سوء، جمعه وواحده سواء، وأنشد:


                                                                                                                                                                                                                                      وبقيت في خلف كجلد الأجرب

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الزجاج: يقال للقرن الذي يجيء في أثر قرن: خلف.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ورثوا الكتاب يعني التوراة، أخذوها من آبائهم، يأخذون عرض هذا الأدنى جميع متاع الدنيا عرض، يقال: الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس: ما أشرف لهم من الدنيا أخذوه.

                                                                                                                                                                                                                                      وأراد بالأدنى العالم الأدنى، وهو الدار الفانية، [ ص: 423 ] ويقولون سيغفر لنا قال المفسرون: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وإصرارهم على الذنوب، إذا أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه حلالا كان أو حراما، ويتمنون على الله المغفرة، وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه، قال الله تعالى: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق قال ابن عباس: وكد الله عليهم في التوراة ألا يقولوا على الله إلا الحق، فقالوا الباطل، وهو ما أوجبوا على الله من مغفرة ذنوبهم التي لا يتوبون منها، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار.

                                                                                                                                                                                                                                      ودرسوا ما فيه وقرأوا ما فيه فهم ذاكرون لذلك، ولو عقلوا لعملوا للدار الآخرة، وهو قوله: والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: والذين يمسكون بالكتاب يقال: مسكت بالشيء وتمسكت به واستمسكت به وامتسكت به.

                                                                                                                                                                                                                                      وروى أبو بكر، عن عاصم: يمسكون مخففة، وهو رديء لأنه لا يقال أمسكت بالشيء، وإنما يقال: أمسكت الشيء.

                                                                                                                                                                                                                                      ومعنى يمسكون بالكتاب: يؤمنون به ويحكمون بما فيه، قال عامة المفسرين: نزلت في بني إسرائيل مؤمني أهل الكتاب.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية