إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به [ ص: 494 ] الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين
قوله تعالى: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا الآية: قال أعلم الله تعالى أن الزجاج: التي تعبدوا بأن يجعلوها لسنتهم اثني عشر شهرا على منازل القمر واستهلال الأهلة. عدة شهور المسلمين
وقوله: في كتاب الله يعني: اللوح المحفوظ، قال في الإمام الذي عند الله كتبه يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. ابن عباس:
أنه يعظم انتهاك المحارم فيها بأشد مما يعظم في غيرها، وقوله: ومعنى الحرم: ذلك الدين القيم ومعنى الدين هاهنا الحساب، ومنه يقال: الكيس من دان نفسه.
أي: حاسبها، والقيم معناه: المستقيم.
قال المفسرون: ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدد المستوي، وقوله: فلا تظلموا فيهن أنفسكم قال يريد: تحفظوا على أنفسكم فيها واجتنبوا الخطايا، فإن الحسنات فيها تضاعف والسيئات فيها تضاعف. ابن عباس:
وقال الظلم في الأشهر الحرم أعظم وزرا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما. قتادة:
وقوله: وقاتلوا المشركين كافة قال جميعا، يريد قاتلوهم كلهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال كما أنهم يستحلون قتال جميعكم، وهو قوله: ابن عباس: كما يقاتلونكم كافة قال كافة نصب على الحال، وهو مصدر على فاعله كما قالوا: العافية، والعاقبة. الزجاج:
واعلموا أن الله مع المتقين قال: تأويله: أنه ضامن لهم النصر، قوله: إنما النسيء زيادة في الكفر ليست له تلك الحرمة، وهو مصدر بمعنى الإنساء كالنذير بمعنى الإنذار، والنكير بمعنى الإنكار، والإنساء: التأخير وكانت العرب تحرم الشهور الأربعة، وذلك مما تمسكت به من ملة النسيء في الشهور تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر إبراهيم وإسماعيل وهم كانوا أصحاب حروب وغارات، وربما كان يشق عليهم أن ينكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه، ويستحلون المحرم إلى صفر فيحرمونه، ويستحلون المحرم فيمكثون بذلك زمانا ثم يردون التحريم إلى المحرم، ولا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب للموسم، فينادي [ ص: 495 ] مناد: أن افعلوا ذلك لحرب أو لحاجة، قال ومعنى زيادة الكفر: أنهم أحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله. ابن عباس:
قوله: يضل به الذين كفروا هذه قراءة العامة، وقراءة أهل الكوفة يضل بضم الياء وفتح الضاد، والمعنى: أن كبراءهم يضلونهم بحملهم على التأخير، وروي عن يضل به الذين كفروا أي: يضلون بذلك تابعهم والآخذين بذلك، وقوله: أبي عمرو يحلونه عاما ويحرمونه عاما قال إذا قاتلوا فيه أحلوه وحرموا مكانه صفرا، وإذا لم يقاتلوا فيه حرموه، ابن عباس: ليواطئوا عدة ما حرم الله وهو أنه لم يحلوا شهرا من الحرم إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال، ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرم لئلا تكون الحرم أكثر من الأربعة كما حرم الله، فتكون موافقة للعدد.
فتلك المواطأة وهي الموافقة، يقال: واطأت فلانا على كذا إذا وافقته، وقوله: زين لهم سوء أعمالهم قال يريد زين لهم الشيطان هذا. ابن عباس: