وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين
قوله تعالى: وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن قال المفسرون: لما جاء هذا دعا على قومه، فقال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ، وقوله: فلا تبتئس قال الفراء، لا تحزن. والزجاج:
وقال لا تغتم. ابن عباس:
يقال: ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكره، فحزن له، قوله: واصنع الفلك بأعيننا قال بمرأى منا. ابن عباس:
وقال بمنظر منا. الضحاك:
وقال الربيع: بحفظنا.
والتأويل: بحفظنا إياك حفظ من يراك ويملك دفع السوء عنك، ووحينا قال وذلك أنه لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر، ويجوز أن يكون [ ص: 573 ] المعنى بوحينا إليك أن اصنعها ابن عباس: ولا تخاطبني لا تراجعني ولا تسألني في الذين ظلموا أي: في مآلهم، وترك تعذيبهم، ويراد بالذين ظلموا قومه، ويصنع الفلك يعني: نوح وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال محمد بن إسحاق: قالوا: يا نوح صرت بعد النبوة نجارا.
وقال عامة المفسرين: إنهم رأوه ينجر الخشب ويهيئ شبه البيت العظيم، فإذا سألوه عن ذلك قال: أعمل سفينة تجري في الماء.
ولم يكونوا رأوا قبل ذلك سفينة، ولا ماء هناك فكانوا يتضاحكون ويتعجبون من عمله لها، فقال نوح: إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون قال إن تسخروا منا لما ترون من صنعة الفلك فإنا نعجب من غفلتكم عما أظلكم من العذاب. ابن الأنباري:
فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه هذا وعيد وتهديد، أي: فسوف تعلمون من أحق بالسخرية منكم وهو الذي يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب أي: يجب عليه عذاب مقيم دائم، يعني: عذاب الآخرة.
قوله: حتى إذا جاء أمرنا بعذابهم وهلاكهم وفار التنور ظهر الماء على وجه الأرض، وقيل لنوح: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت وأصحابك في السفينة.
هذا قول عكرمة، ورواية والزهري، عن الوالبي قال ابن عباس، ذكر لنا أنه أرفع الأرض وأشرفها. قتادة:
وقال في رواية ابن عباس عطاء، وعطية: يريد التنور الذي يخبز فيه.
قال كان تنورا من حجارة قيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك. الحسن:
قوله: قلنا احمل فيها في السفينة من كل زوجين اثنين الذكر زوج والأنثى زوج.
وهو قول الحسن، قالوا: ذكر وأنثى، وقرأ وقتادة حفص: من كل -بالتنوين- أراد من كل شيء، ومن كل زوج زوجين اثنين، فحذف المضاف إليه، وقوله: وأهلك أي: واحمل أهلك، قال المفسرون: يعني ولده وعياله.
إلا من سبق عليه القول يعني: امرأته واعلة، وابنه كنعان، ومن آمن واحمل من صدقك وما آمن معه إلا قليل أي: إلا نفر قليل وهم ثمانون إنسانا، وقال نوح لقومه الذين أمر بحملهم اركبوا فيها أي: اركبوا الماء في السفينة بسم الله مجراها أي: أجراها ومن قرأ بفتح الميم فالمجرى مصدر الجري ومرساها أي: إرساؤها، والإرساء: الإثبات، يقال: رسا الشيء يرسو.
إذا ثبت، وأرساه غيره.
قال تجري باسم الله وترسو باسم الله. ابن عباس:
وقال كان إذا أراد أن ترسو قال: بسم الله. الضحاك:
فرست وإذا أراد أن تجري قال: بسم الله.
فجرت.
[ ص: 574 ] .
أخبرنا أبو عبد الرحمن ابن أبي حامد العدل، أنا أبو العباس إبراهيم بن محمد بن موسى، أنا محمد بن إدريس السامي، نا نا سويد بن سعيد، عبد الحميد بن الحسن، عن عن نهشل بن سعيد، عن الضحاك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن عباس،
ما قدروا الله حق قدره " أمان لأمتي إذا ركبوا السفن أو البحر أن يقولوا: سبحان الله الملك". إلخ الآيات، بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم .
قوله تعالى: وهي تجري بهم يعني الفلك في موج كالجبال الموج ما ارتفع من الماء إذا اشتدت عليه الريح، شبهه بالجبال في عظمته وارتفاعه على الماء ونادى نوح ابنه قال محمد بن إسحاق: كان كافرا واسمه كنعان.
وكان في معزل أي: في مكان منقطع بعيد من السفينة، ومعنى العزل: التنحية والإبعاد، يقال: هو بمعزل من هذا الأمر.
أي: بموضع قد عزل منه، يا بني اركب معنا ومن قرأ بكسر الياء أراد: يا بنيي، فحذف ياء الإضافة وترك الكسرة دلالة عليها، كما يقال: يا غلام أقبل.
ومن فتح الياء أبدل من الكسرة الفتحة ومن الياء الألف فصار: يا بنييا، ثم حذف الألف لسكونها وسكون راء اركب، والمعنى: أن نوحا دعا ابنه إلى أن يركب معه في السفينة ليسلم من الغرق، فقال ابنه: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء يقول: أنضم إلى جبل يمنعني من الماء فلا أغرق.
فقال نوح: لا عاصم اليوم من أمر الله لا مانع اليوم من عذاب الله إلا من رحم هذا استثناء منقطع، المعنى: لكل من رحم، فإنه معصوم وحال بينهما الموج منع الماء بين ابن نوح وبين الجبل فكان من المغرقين .