وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك [ ص: 578 ] بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ
قوله: وإلى عاد أخاهم هودا هذا عطف على قوله: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه كأنه قال: أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا وكان أخاهم في النسب لا في الدين، قال يريد ابن أبيهم. ابن عباس:
وقوله: إن أنتم إلا مفترون أي: ما أنتم إلا كاذبون في إشراككم مع الله الأوثان، وما بعد هذا قد تقدم تفسيره إلى قوله: يرسل السماء عليكم مدرارا قال المفسرون: إن الله تعالى حبس المطر عن قوم عاد ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم، فقال لهم هود: إن أنتم آمنتم أحيى الله بلادكم ورزقكم المال والولد.
وذلك قوله: يرسل السماء عليكم مدرارا ، وقد تقدم تفسيره في أول ويزدكم قوة إلى قوتكم فسرت القوة هاهنا بالمال والولد والشدة وكل هذا مما يقوى به الإنسان، قال في رواية ابن عباس ومقاتل: يعني العدد وكثرة الأولاد. الكلبي،
وقوله: ولا تتولوا مجرمين لا تتركوا الإيمان بالله، ولا تعرضوا عنه، قالوا يا هود ما جئتنا ببينة أي: بحجة واضحة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك أي: بقولك، والباء وعن تتعاقبان وما نحن لك بمؤمنين بمصدقين.
إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء أي: ما نقول في سبب مخالفتك إيانا إلا أن بعض آلهتنا أصابك بالجنون فأفسد عقلك وأجنك، فالذي تظهر من عيبها لما لحق عقلك من التغيير، يقال: عراه أمر كذا، واعتراه.
إذا غشيه وأصابه، فقال نبي الله عند ذلك: إني أشهد الله الآية، يعني: إن كان عندكم أنها عاقبتي ليطغى عليها، فإني على بصيرة في البراءة منها والعيب لها، وقوله: فكيدوني جميعا أي: احتالوا أنتم وأوثانكم في عداوتي وغيظي ثم لا تنظرون لا تمهلوني، قال وهذا من أعظم آيات الأنبياء، أي: يقبل النبي على قومه مع كثرة عددهم فيقول لهم هذا القول، وذلك للثقة بنصر الله تعالى. الزجاج:
ثم ذكر ذلك فقال: إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها أي: إلا هي في قبضته وتنالها قدرته كيف شاء، والعرب إذا وصفت إنسانا بالذلة والخضوع قالوا: " ما ناصيته إلا بيد فلان "، أي: إنه مطيع له يصرفه كيف يشاء؛ لأن من أخذته بناصيته وهو شعر مقدم الرأس فقد قهرته، قوله: إن ربي على صراط مستقيم قال الزجاج، أي: أنه وإن كان قادرا عليهم فهو لا يظلمهم ولا يلحقهم بقدرته عليهم إلا ما يوجب الحق وقوعه بهم. وابن الأنباري:
وقال عطاء، عن يريد: أن الذي بعثني الله به دين مستقيم. ابن عباس:
والمعنى على هذا: إن دين ربي على صراط مستقيم فإن تولوا أي: تتولوا بمعنى تعرضوا عما دعوتكم إليه من الإيمان بالله وعبادته فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم قال الزجاج، معناه: فقد ثبتت الحجة عليكم، وظهر فساد مذهبكم. وابن الأنباري:
ويستخلف ربي قوما غيركم قال ويخلق بعدكم من هو أطوع لله منكم. ابن عباس:
ولا تضرونه شيئا قال: يريد هلاككم لا ينقص من ملك ربي شيئا.
وقال غيره: لا تضرونه شيئا بإعراضكم، إنما تضرون أنفسكم لأن ضرر كفركم عائد عليكم.
إن ربي على كل شيء من أعمال العباد حفيظ حتى يجازيهم عليها.
قوله ولما جاء أمرنا بهلاك عاد نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا قال يريد حيث هديتهم للإيمان وعصمتهم من أن يكفروا بي. ابن عباس:
فمعنى الرحمة هاهنا ما أراهم من الهدى والبيان ونجيناهم من عذاب غليظ يعني: ما عذب به الذين كفروا.