وتلك عاد يعني القبيلة جحدوا بآيات ربهم قال كذبوا أنبياء الله. ابن عباس:
وعصوا رسله إنما جمع الرسل وكان قد بعث إليهم هودا لأن من كذب رسولا واحدا فقد كفر بجميع الرسل واتبعوا أمر كل جبار عنيد واتبع السفلة والسقاط الرؤساء، والعنيد: الذي لا يقبل الحق، من قولهم: عند الرجل يعند عنودا.
إذا أبى أن يقبل الشيء وإن عرفه، وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة أي: أردفوا لعنة تلحقهم وتتصرف معهم ويوم القيامة أي: وفي يوم القيامة، كما قال: لعنوا في الدنيا والآخرة ، ألا إن عادا كفروا ربهم أي: بربهم، فحذف الياء، كما تقول: أمرتك الخير.
ألا بعدا لعاد قوم هود يريد: بعدوا من رحمة الله.
قوله: وإلى ثمود ظاهر إلى قوله هو أنشأكم من الأرض يعني: خلقكم من آدم، وآدم خلق من الأرض واستعمركم فيها جعلكم عمارا لها، أي: أورثكم الأرض فصرتم عمرتها بعد من مضوا قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا قال المفسرون: كان صالح يعدل عن دين قومه، ويبغض أصنامهم وكانوا يرجون رجوعه إلى دين أبيه وعشيرته، فلما أظهر دعاءهم إلى الله وترك عبادة الأصنام، زعموا أن رجاءهم انقطع منه ويئسوا من دخوله في ملتهم، وأنكروا عليه نهيه إياهم عن عبادة الأصنام.
فقالوا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه من توحيد الله وعبادته مريب موقع للريبة.
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي الآية، يقول: يا قوم أعلمتم من ينصرني من الله ؟ من يمنعني من عذاب الله إن عصيته بعد بينة من ربي ونعمة؟ قوله: فما تزيدونني غير تخسير لم يكن صالح في خسارة حين قال لهم هذا، وإنما المعنى ما تزيدونني بما تقولون، يعني قولهم أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا إلا نسبتي إياكم إلى الخسارة، والتخسير مثل التفسيق والتفجير، قال ابن الأعرابي: يريد: غير تخسير لكم لا لي، ومعنى التخسير: التضليل والإبعاد من الخير.
ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية الآية مشروحة في سورة الأعراف، وقوله: تمتعوا في داركم يعني: عيشوا في بلدكم، وعبر عن الحياة بالتمتع لأن الحي يكون متمتعا بالحواس، وقوله ثلاثة أيام قال المفسرون: لما عقرت الناقة صعد فصيلها الجبل ورغا رغوة ثلاثا، فقال صالح: لكل رغوة أجل معلوم فاصفر ألوانهم أول يوم، ثم احمر من الغد، ثم اسود اليوم الثالث، وهو قوله: ذلك وعد أي: العذاب غير مكذوب أي: غير كذب.
[ ص: 580 ] .
أخبرنا نصر بن بكر بن أحمد بن الحسين بن مهران، أنا عبد الله بن محمد السجزي، أنا أنا محمد بن أيوب، أنا العباس بن الوليد النرسي، عن يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، ابن الزبير، أن جابرا حدثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك قام فخطب الناس، فقال: " أيها الناس لا تسألوا نبيكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم وردها، فيحلبون من لبنها مثل الذي كانوا يشربون من ماءها يوم غبها، فعتوا عن أمر ربهم، فقال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وكانت وعدا من الله غير مكذوب، ثم جاءتهم الصيحة فأهلك الله من كان في مشارق الأرض ومغاربها منهم إلا رجلا كان في حرم الله فمنعه حرم الله من عذاب الله، يقال له: أبو رغال، قيل: يا رسول الله من أبو رغال؟ قال: أبو ثقيف".
قوله: فلما جاء أمرنا تقدم تفسيره في قصة عاد إلى قوله: ومن خزي يومئذ قال هذا عطف على محذوف بتقدير: نجيناهم من العذاب، ومن خزي يومئذ. ابن الأنباري:
من الخزي الذي لزمهم ذلك اليوم، وبقي عاره مأثورا عنهم، وفي يومئذ قراءتان: الفتح، والكسر، فمن كسر فإن الاسم معرب فانجر بالإضافة، ومن فتح الميم مع أنه في موضع جر فلأنه مضاف إلى مبني غير متمكن، والمضاف إلى المبني يجوز بناؤه.
كقول النابغة:
على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألما أصح والشيب وازع
قوله: وأخذ الذين ظلموا الصيحة قال إنما ذكر أخذ لأن الصيحة محمولة على الصياح. ابن الأنباري:قال المفسرون: لما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم.
فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها هذه الأحرف مفسرة في سورة الأعراف، ألا إن ثمود كفروا ربهم قرئ بالإجراء، وتركه فمن أجراه فلأنه اسم مذكر سمي به مذكر، وهو الحي فصار كثقيف وقريش، ومن ترك إجراءه جعله اسما للقبيلة فلم يصرفه لاجتماع التعريف والتأنيث، وهو ثمود بن عاتي بن إرم بن سام بن نوح، قال سميت ثمود لقلة مائها، والثمد الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين أبو عمرو بن العلاء: الحجاز والشام.