الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ثم شاع ما جرى بينهما وانتشر في مدينة مصر حتى تحدثت بذلك النساء وخضن فيه، وهو قوله: وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين  فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم  قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين  قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين  فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 610 ] وقال نسوة في المدينة قال ابن عباس: يريد نسوة من أشراف النساء، وأراد بالنسوة الجمع لذلك ذكر فعلهن حملا على المعنى، وإذا أنث حمل على اللفظ، وقوله: امرأت العزيز يعني: زليخا، والعزيز بلغتهم: الملك تراود فتاها غلامها عن نفسه قد شغفها حبا قال ابن عباس: قد دخل حبه شغاف قلبها.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو موضع الدم الذي يكون داخل القلب، وقال الزجاج: الشغاف حبة القلب وسويداء القلب.

                                                                                                                                                                                                                                      إنا لنراها في ضلال عن طريق الرشد بحبها إياه مبين ظاهر.

                                                                                                                                                                                                                                      فلما سمعت زليخا بمكرهن قال ابن إسحاق: يعني: كيدهن وذلك أنهن إنما قلن ذلك مكرا بها لتريهن يوسف، لما كان بلغهن من حسنه وجماله، اتخذت مأدبة فدعت أربعين امرأة منهن هؤلاء اللاتي عيرنها، فذلك قوله: أرسلت إليهن وأعتدت وهيأت لهن متكأ مجلسا للطعام وما يتكئن عليه من النمارق والوسائد، وقال ابن عباس في رواية عطاء، ومجاهد: هو الأترج.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال جماعة من المفسرين: يعني طعاما يحز بالسكين.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الأزهري: وقيل للطعام متكأ لأن القوم إذا قعدوا على الطعام اتكأوا، ونهيت هذه الأمة عن ذلك.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: وآتت كل واحدة منهن سكينا قال السدي: أعطيت كل واحدة منهن أترجة وسكينا وأمرت يوسف بالبروز لهن، ليرينه فيعذرنها في حبها إياه، وهو قوله: وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه أعظمنه، وهالهن أمره، وبهتن بالنظر إليه وذهب عقولهن، وجعلن يقطعن أيديهن بالسكاكين تعجبا من حسنه وجماله، وهو قوله: وقطعن أيديهن قال قتادة: أبن أيديهن.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال مجاهد: لم يحسسن إلا بالدم، ولم يجدن الألم لشغل قلوبهن بيوسف.

                                                                                                                                                                                                                                      وقلن حاش لله حاش وحاشا يستعملان في الاستثناء والتبرئة، والأصل حاشا لأنه من فاعل المحاشاة، يقال: حاشى يحاشي.

                                                                                                                                                                                                                                      والحشاء: الناحية، ومعنى حاش لله صار يوسف في حشا أي: في ناحية مما قذف به أي: لم يلابسه، كأن المعنى: بعد يوسف عن هذا الذي رمي به، أي: لخوفه ومراقبته أمره، وهذا قول أكثر المفسرين، قالوا: هذا تنزيه ليوسف عما رمته به امرأة العزيز.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال آخرون: هذا تنزيه له من تهمة البشر، لفرط جماله، يدل على هذا سياق الآية.

                                                                                                                                                                                                                                      ومن قرأ حاش بغير ألف [ ص: 611 ] فهو على حذف آخر الفعل كقولهم: لم يك، ولا أدر، وقد قال رؤبة:


                                                                                                                                                                                                                                      وصاني العجاج فيما وصني



                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ما هذا بشرا أي: ليس هذا بآدمي إن هذا إلا ملك كريم على ربه.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن عبد العزيز الفقيه، أنا عبد الله بن محمد الرازي، نا محمد بن أيوب، نا موسى بن إسماعيل، نا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أعطي يوسف شطر الحسن ".  

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية