الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب  يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب  وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب  

                                                                                                                                                                                                                                      ولقد أرسلنا رسلا من قبلك قال الكلبي : عيرت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: ما نرى للرجل همة إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء   .

                                                                                                                                                                                                                                      فأنزل الله هذه الآية، يقول: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلناهم بشرا لهم أزواج فنكحوهن، وأولاد أنسلوهم، وذلك قوله: وجعلنا لهم أزواجا وذرية .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو منصور الواعظ ، أنا عبد الله بن محمد بن نصير ، أنا محمد بن أيوب ، نا أبو الوليد الطيالسي ، نا حسين بن رافع العنبري ، عن الحسن ، عن سعد بن هشام ، قال: دخلت على عائشة ، فقلت لها: إني أريد أن أتبتل، قالت: فلا تفعل، أما سمعت الله يقول ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية فلا تتبتل.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله هذا جواب للذين تحكموا عليه في طلب الآيات، والمعنى: أن حال محمد كحال الرسل الذين تقدموا في أنهم كانوا لا يأتون بآية إلا بإذن ربهم، لا على تحكم العباد بأهوائهم  ، لكل أجل كتاب لكل أجل قدره الله، ولكل أمر قضاه كتاب أثبت فيه، فلا تكون آية إلا بأجل قد قضاه الله في كتاب، وكذلك كل أمر.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: يمحو الله ما يشاء ويثبت ذهب قوم إلى أن هذا عام في كل شيء، كما يقتضيه ظاهر اللفظ، وقالوا: إن الله يمحو من الرزق ويزيد فيه، ومن الأجل، ويمحو السعادة والشقاوة، وهو مذهب عمر ، وابن مسعود ، وأبي وائل ، وقتادة ، والضحاك ، وابن جريج ، قالوا: أم الكتاب عند الله يمحو الله ما يشاء منه ويثبت.

                                                                                                                                                                                                                                      ونحو هذا روى أبو الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إن الله سبحانه في ثلاث ساعات يبقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر [ ص: 20 ] فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء" .

                                                                                                                                                                                                                                      ومعنى أم الكتاب: أصل الكتاب الذي أثبت فيه الكائنات والحادثات.

                                                                                                                                                                                                                                      وروى عكرمة ، عن ابن عباس ، قال: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذه رواية عمران بن حصين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قوم: إن الله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة، والموت والحياة والرزق والأجل.

                                                                                                                                                                                                                                      ويدل على صحة هذا ما:

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد الزاهد ، أنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه ، أنا أبو القاسم البغوي ، نا داوود بن عمرو ، نا محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، أنه سمع أبا الطفيل ، يقول: قال حذيفة بن أسيد : سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " إذا مضت على النطفة خمس وأربعون ليلة، يقول الملك: أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله، عز وجل،  ويكتب الملك فيقول: أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله، ويكتب الملك، فيقول: عمله وأجله؟ فيقضي الله، ويكتب الملك، ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص منها " ، رواه مسلم ، عن ابن نصير ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار وقال سعيد بن جبير ، وقتادة : يمحو الله ما يشاء من الشرائع فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا القول اختيار أبي علي الفارسي ، قال: هذا والله أعلم فيما يحتمل النسخ والتبديل من الشرائع الموقوفة على المصالح على حسب الأوقات، فأما ما كان من غير ذلك فلا يمحى ولا يبدل.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الكلبي ، والضحاك : إن الذي يمحوه الله ويثبته ما تصعد به الحفظة مكتوبا على بني آدم، فيأمر الله أن يثبت ما فيه ثواب وعقاب، ويمحي عنه ما لا ثواب فيه ولا عقاب.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب، أي نعدهم وأنت حي، أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك، فإنما عليك البلاغ أي: فليس عليك إلا أن تبلغ، كفروا أو آمنوا، وعلينا الحساب وعلينا أن نجازيهم.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية