الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء  تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار  يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء  

                                                                                                                                                                                                                                      444 ألم تر كيف ضرب الله مثلا بين الله شبها، ثم فسر ذلك المثل، فقال: كلمة طيبة قال ابن عباس : يريد لا إله إلا الله، وهو قول الجميع.

                                                                                                                                                                                                                                      كشجرة طيبة قالوا: يريد النخلة.

                                                                                                                                                                                                                                      والمعنى: كشجرة طيبة الثمرة.

                                                                                                                                                                                                                                      أصلها أي:

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 30 ] أصل هذه الشجرة، ثابت في الثرى، وفرعها أعلاها عال، في السماء تؤتي تعطي هذه الشجرة، أكلها ثمرها وما يؤكل منها، كل حين قال ابن عباس : يريد ستة أشهر.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قول سعيد بن جبير ، وقتادة ، والحسن ، قالوا: ما بين صرامها إلى حملها ستة أشهر.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال مجاهد ، وابن زيد ، وعكرمة : كل سنة.

                                                                                                                                                                                                                                      شبه الله تعالى الإيمان بالنخلة، لثبات الإيمان في قلب المؤمن  ، كثبات النخلة في منبتها، وشبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة، وشبه ما اكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان، بما ينال من ثمر النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر، ويضرب الله الأمثال للناس قال ابن عباس : يريد أهل مكة .

                                                                                                                                                                                                                                      لعلهم يتذكرون لكي يتعظوا.

                                                                                                                                                                                                                                      ومثل كلمة خبيثة يعني الشرك بالله، كشجرة خبيثة قال ابن عباس : يريد الثوم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الضحاك عنه: هي الكشوث.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال أنس بن مالك : هي الحنظل.

                                                                                                                                                                                                                                      فكما أنها أخبث الأشجار، فكذلك الشرك أخبث الكلمات، اجتثت انتزعت واقتلعت، من فوق الأرض قال ابن عباس : يريد ليس لها أصل تام، فهي فوق الأرض، لم تضرب فيها بعرق.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قوله: ما لها من قرار من أصل في الأرض، وكما أنها أخبث الأشجار، كذلك الشرك بالله أخبث الكلمات، ليس لها حجة ولا ثبات ولا شيء.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله يثبت الله الذين آمنوا الذين صدقوا محمدا ، بالقول الثابت وهو لا إله إلا الله، في الحياة الدنيا يثبتهم بها على الحق، وفي الآخرة يعني في القبر، قال المفسرون: هذه الآية وردت في فتنة القبر، وسؤال الملكين، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال، وتثبيته إياه بها على الحق.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البغدادي ، نا محمد بن يعقوب ، نا يحيى بن أبي طالب ، نا وهب بن جرير ، نا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب ، قال: ذكر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المؤمن والكافر، فقال: إن المؤمن إذا سئل في قبره; قال: ربي الله  ، فذلك قوله يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا محمد بن موسى بن شاذان ، أنا محمد بن عبد الله الصفار ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني [ ص: 31 ] أبي، أنا أبو عامر ، نا عباد بن راشد ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال: شهدنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جنازة، فقال: " أيها الناس، إن هذه الأمة تبتلى في قبورها  ، فإذا الإنسان دفن، فتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في يده مطراق، فأقعده، فقال: ما تقول في هذا الرجل فإن كان مؤمنا; قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول له: صدقت، ثم يفتح له باب إلى النار فيقول: هذا كان منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت، فهذا منزلك، ويفتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه فيقال له: اسكن، ويفسح له في قبره، وإن كان كافرا، أو منافقا، يقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا، فقلت، فيقال: لا دريت ولا تليت ولا هديت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال: هذا لك لو آمنت، فأما إذ كفرت، فإن الله، عز وجل، أبدلك به هذا، ويفتح له باب إلى النار، ثم يقمعه بالمطراق قمعة، يسمعها خلق الله كلهم غير الثقلين، فقال بعض القوم: يا رسول الله، ما أحد يقوم عليه ملك في يده مطرقة، إلا هيل عند ذلك، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وقوله: ويضل الله الظالمين يعني: لا يلقن الله المشركين والكافرين حتى إذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الفراء : يضلهم عن هذه الكلمة.

                                                                                                                                                                                                                                      ويفعل الله ما يشاء من تثبيت المؤمن وتلقينه الصواب، وإضلال الكافر، قال الفراء : أي لا تكون له قدرة، ولا يسأل عما يفعل.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية