الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ثم احتج على المشركين بإعجاز القرآن  ، فقال: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا  ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا  وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا  أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار [ ص: 127 ] خلالها تفجيرا  أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا  

                                                                                                                                                                                                                                      قل لئن اجتمعت الإنس والجن الآية، قال المفسرون: هذا تكذيب للنضر بن الحارث ، حيث قال: لو شئنا لقلنا مثل هذا.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال مقاتل : وإن نبي الله صلى الله عليه وسلم تحداهم أولا، فقال: فأتوا بعشر سور مثله فعجزوا عن ذلك، فتحداهم، فقال: فأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فآيسهم الله عن معارضته بمثل ما أتى به في هذه الآية، والمثل الذي طلب منهم كلام له نظم كنظم القرآن في أعلى طبقات البلاغة، وقوله: ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا الظهير: المعين المظاهر لك.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس : يريد معينا مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعر فيقيمونه.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن تقدم تفسيره في هذه السورة، وقوله: من كل مثل أي: من الأمثال التي يجب بها الاعتبار، فأبى أكثر الناس يعني أكثر أهل مكة ، إلا كفورا جحودا للحق وإنكارا، وذلك أنهم أنكروا القرآن بعد قيام الحجة عليهم، واقترحوا من الآيات ما ليس لهم، وهو قوله: وقالوا يعني رؤساء مكة ، لن نؤمن لك لن نصدقك، حتى تفجر لنا وقرئ تفجر بالتخفيف، يقال: فجرت الماء فجرا، وفجرته تفجيرا، والينبوع عين ينبع منها الماء، وذلك أنهم سألوا أن يجري لهم نهرا كأنهار الشام والعراق .

                                                                                                                                                                                                                                      أو تكون لك جنة من نخيل وعنب هذا أيضا كان فيما اقترحوا عليه، فتفجر الأنهار تفتحها وتجريها، خلالها وسط تلك الجنة.

                                                                                                                                                                                                                                      أو تسقط السماء قالوا له: أسقط السماء علينا.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس : يعنون العذاب.

                                                                                                                                                                                                                                      كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، وقوله: كسفا جمع كسفة، وهي القطعة، والكسف القطع، ويجوز أن يكون الكسف الشيء المقطوع، كقوله: وإن يروا كسفا من السماء ومن فتح السين فهو جمع كسفة أيضا مثل قطعة وقطع، قال ابن عباس : كسفا قطعا.

                                                                                                                                                                                                                                      ومن سكن السين، فمعناه: أسقط السماء علينا قطعة واحدة، وقوله: أو تأتي بالله والملائكة قبيلا قال قتادة ، والضحاك : عيانا.

                                                                                                                                                                                                                                      والمعنى: تأتي بهم حتى نراهم [ ص: 128 ] مقابلة، واختاره أبو علي الفارسي، فقال: إذا حملته على المعاينة كان القبيل مصدرا كالنذير والنكير، ويدل على صحة هذا المعنى قوله: لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال عطاء ، ومجاهد : فوجا فوجا.

                                                                                                                                                                                                                                      وكل جنس من الناس قبيل، ذكرنا ذلك في قوله: إنه يراكم هو وقبيله .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: أو يكون لك بيت من زخرف قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والسدي : من ذهب.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : أصل الزخرف في اللغة الزينة، ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب، وكان فيما اقترحوا عليه أن يكون له قصور من ذهب.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: أو ترقى في السماء يقال: رقيت أرقى رقيا ورقيا.

                                                                                                                                                                                                                                      قال عبد الله بن أبي أمية : لا أومن بك يا محمد حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه، وأنا أنظر، حتى تأتيها، وتأتي بنسخة منشورة معك، ونفر من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قوله: ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قال ابن عباس : كتابا من عند رب العالمين إلى فلان وفلان، يصبح عند كل رجل منا يقرؤه.

                                                                                                                                                                                                                                      قال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان ربي وقرئ قل سبحان ربي على الأمر له بأن يقول سبحان ربي، قال ابن عباس : عظم وكرم.

                                                                                                                                                                                                                                      هل كنت إلا بشرا رسولا أي أن هذه الأشياء ليست في قوى البشر أن يأتوا بها، فلا وجه لطلبكم مني مع أني بشر.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية