واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي [ ص: 180 ] غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا
قوله: واذكر في الكتاب مريم قال: واذكر من أمر مريم لأهل مكة .
إذ انتبذت قال: : تنحت من أهلها، ممن كانوا معها في الدار. الكلبي
يقال: انتبذ فحل ناحية، أي تنحى ناحية.
وقال : انفردت. قتادة
قال : اعتزلت مكانا شرقيا. ابن قتيبة
أي: إلى مكان في جانب الشرق.
قال : إن عطاء مريم تمنت أن تجد خلوة، فتفلي رأسها، فخرجت في يوم شديد البرد، فجلست في مشرقة للشمس.
وقال : أرادت الغسل من الحيض، فتحولت إلى مشرقة دارهم للغسل. عكرمة
فاتخذت من دونهم من دون أهلها، لئلا يروها، حجابا سترا وحاجزا، فأرسلنا إليها روحنا بينما هي تغتسل من الحيض، إذ عرض لها جبريل في صورة شاب أجرد مضيء الوجه، وهو قوله: فتمثل لها أي: تصور لها، بشرا سويا معتدلا تاما.
قال : فلما رأت ابن عباس جبريل يقصد نحوها نادته من بعيد قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا أي: مخلصا مطيعا، فستنتهي بتعوذي بالله منك إن كنت تقيا.
قال جبريل : إنما أنا رسول ربك ليهب لك أي: أرسلني ليهب لك، ومن قرأ لأهب أسند الفعل إلى جبريل ، والهبة من الله، ولكن أسند إلى الرسول، وقوله: غلاما زكيا قال : يريد نبيا. ابن عباس
وقال : صالحا طاهرا من الذنوب. الضحاك
قالت مريم : أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم يقربني زوج، ولم أك بغيا فاجرة زانية، وإنما لم تقل بغية لأنه مصروف عن وجهه، وهو فعيل بمعنى فاعل، يقال: المرأة تبغي بغاء إذا فجرت.
قال : قالت ابن عباس مريم : ليس لي زوج، ولست بزانية، ولا يكون الولد إلا من الزوج أو من الزنا.
قال كذلك قال ربك هو علي هين مفسر في هذه السورة، قال : يريد يسير، أن ابن عباس . أهب لك غلاما من غير محل
ولنجعله آية للناس دلالة على قدرتنا، كون غلام ليس له أب، ورحمة منا لمن تبعه وصدقه، وكان أمرا مقضيا وكان خلقه أمرا محكوما به، مفروغا عنه، سابقا في علم الله أن يقع.