الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      فلما أتاها نودي يا موسى  إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى  وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى  إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري  إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى  فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى  

                                                                                                                                                                                                                                      فلما أتاها قال ابن عباس: لما توجه نحو النار، فإذا النار في شجرة عناب، فوقف متعجبا من حسن ضوء تلك النار، وشدة خضرة تلك الشجرة، فسمع النداء من الشجرة: يا موسى، وهو قوله: نودي يا موسى إني أنا ربك وقرئ بفتح الألف على معنى نودي بأني، ومن كسر فالمعنى: نودي فقيل إني أنا ربك قال وهب: نودي من الشجرة، فقيل: يا موسى.

                                                                                                                                                                                                                                      فأجاب سريعا، ما يدري من دعاه، فقال: إني أسمع صوتك ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ قال: أنا فوقك ومعك، وأمامك وخلفك، وأقرب إليك من نفسك.

                                                                                                                                                                                                                                      فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لربه عز وجل، فأيقن به، وقوله: فاخلع نعليك روى ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، "كانت نعلا موسى من جلد حمار ميت"   .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا قول أكثر المفسرين، قيل لموسى: لا تدخل الوادي وهما عليك.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الحسن: كانتا من جلد بقرة ذكية، ولكن أمر بخلعهما ليباشر تراب الأرض المقدسة، فتناله بركتها.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد، قال: يقول: أفض بقدميك إلى بركة هذا الوادي.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قوله: إنك بالواد المقدس طوى أي المطهر، وقال الوالبي: المقدس المبارك، وذكرنا هذا عند قوله: الأرض المقدسة وطوى اسم الوادي في قول جميع المفسرين.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: وأنا اخترتك قال الكلبي: اخترتك برسالتي لكي تقوم بأمري.

                                                                                                                                                                                                                                      فاستمع لما يوحى إليك مني أمره بعبادته.

                                                                                                                                                                                                                                      وأخبره بالتوحيد، فقال: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري أي: أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة، كنت في وقتها أو لم تكن.

                                                                                                                                                                                                                                      هذا قول عامة المفسرين، وروي ذلك مرفوعا.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا عمر بن أحمد بن [ ص: 203 ] عمر الماوردي، أنا عبد الله الرازي، أنا محمد بن أيوب، أنا هدبة بن خالد، نا همام، نا قتادة، عن أنس، أن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها غير ذلك، وقرأوأقم الصلاة لذكري  رواه مسلم، عن هدبة قال الحسن: أقم الصلاة لأن تذكرني لأن الصلاة لا تكون إلا بذكر الله.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا قول مجاهد، قال: إذا صلى العبد، ذكر الله.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم أخبره بمجيء الساعة، فقال: إن الساعة يعني القيامة، آتية أكاد أخفيها قال أكثر المفسرين: أخفيها من نفسي.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة.

                                                                                                                                                                                                                                      قال قطرب، والمبرد: هذا على عادة مخاطبة العرب، يقولون إذا بالغوا في كتمان الشيء: كتمته حتى من نفسي، أي: لم أطلع عليه أحدا.

                                                                                                                                                                                                                                      ومعنى الآية أن الله بالغ في إخفاء الساعة، فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب.

                                                                                                                                                                                                                                      قال قتادة: هي في بعض القراءة أكاد أخفيها من نفسي ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن الأنباري: والمعنى في إخفائها التهويل والتخويف؛ لأن الناس إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: لتجزى كل نفس بما تسعى أي: بما تعمل من خير وشر، واللام في لتجزى متعلقة بقوله: إن الساعة آتية .

                                                                                                                                                                                                                                      فلا يصدنك لا يمنعنك ولا يصرفنك، عنها عن الإيمان، من لا يؤمن بها بأنها آتية، واتبع هواه مراده وخالف أمر الله، فتردى فتهلك.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية