الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وما أعجلك عن قومك يا موسى  قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى  قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري  فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي  قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي  أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: وما أعجلك عن قومك يا موسى قال المفسرون: كانت المواعدة أن يوافي موسى وجماعة من وجوه قومه، فسار موسى بهم، ثم عجل من فيهم شوقا إلى ربه، وخلف السبعين ليلحقوا به، فقال الله: ما الذي حملك على العجلة حتى خلفت قومك وخرجت من بينهم.

                                                                                                                                                                                                                                      قال هم أولاء على أثري هم بالقرب مني، يأتون بعدي، وعجلت إليك رب لترضى قال الكلبي: ليزداد رضا.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الله تعالى: فإنا قد فتنا قومك قال الزجاج: ألقيناهم في فتنة ومحبة.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن الأنباري: صيرناهم مفتونين أشقياء بعبادة العجل، لما سبق لهم في حكمتنا، من بعدك من بعد انطلاقك من بينهم، وأضلهم السامري قال عطاء، عن ابن عباس: يريد أن الضلالة كانت على يد السامري.

                                                                                                                                                                                                                                      يعني أنه كان سبب إضلالهم، وقال الكلبي: صرفهم السامري إلى عبادة العجل.

                                                                                                                                                                                                                                      قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان السامري من أهل باجربي، وقع بأرض مصر، فدخل في بني إسرائيل، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا حزينا بما فعلوا، تقدم تفسيره في سورة الأعراف، قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا صدقا لإثبات الكتاب، أفطال عليكم العهد مدة مفارقتي إياكم، أم أردتم أن يحل يجب، عليكم غضب من ربكم بعبادتكم العجل، والمعنى: أم أردتم أن تصنعوا صنيعا يكون سبب غضب ربكم، فأخلفتم موعدي ما وعدتموه لي من حسن الخلافة بعدي، بيان هذا قوله: بئسما خلفتموني من بعدي .

                                                                                                                                                                                                                                      فقال الذين لم يعبدوا العجل: قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا أي: ونحن نملك من أمرنا شيئا، أي: لم نطق رد عبدة العجل من عظيم ما ارتكبوا، لكثرتهم وقلتنا، وجاء في الرواية أن الذين لم يعبدوا العجل كانوا اثني عشر ألفا، وافتتن الباقون بالعجل، وكانوا [ ص: 218 ] جميعا ست مائة ألف، وأكثر القراءة بالكسر في بملكنا والمعنى: بملكنا أمرنا، ومن قرأ بملكنا بفتح الميم، فهو المصدر الحقيقي، يقال: ملكت الشيء أملكه ملكا، والملك ما ملك، ومن قرأ بضم الميم فمعناه بقدرتنا وسلطاننا، أي: لم نقدر على ردهم، ثم ذكروا قصة اتخاذ العجل، فقالوا: ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم أي: أثقالا وأحمالا، قال قتادة: كانت حليا تعوروها من آل فرعون، فساروا وهي معهم.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والسدي: أن الأوزار هي الأحمال، وزينة القوم حلي آل فرعون، استعاره بنو إسرائيل قبل خروجهم من مصر فبقي في أيديهم، وكان موسى أمرهم بذلك.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرئ حملنا بالتشديد وضم الحاء، والمعنى: جعلونا نحملها، قال أبو عبيدة: الوجه القراءة الأولى؛ لأن التفسير قد جاء أنهم حملوا معهم ما كان في أيديهم من حلي آل فرعون.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: فقذفناها قال السدي: قال هارون لهم الحلي غنيمة، ولا تحل لكم الغنيمة، فاحفروا لها حفرة، فاطرحوها فيها حتى يرجع موسى فيقضي فيها.

                                                                                                                                                                                                                                      فذلك قوله: فقذفناها أي: طرحناها في الحفيرة، وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أوقد لهم هارون نارا وقال: اقذفوا ما كان معكم فيها.

                                                                                                                                                                                                                                      فجعلوا يأتون معهم من الحلي فيقذفونه فيها حتى انسكبت الحلي فيها، ثم ألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل، قال قتادة: وقد كان في طرف عمامته قبضة من أثر فرس جبريل يوم جاوز ببني إسرائيل فقذفها فيه.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قوله: فكذلك ألقى السامري يعني: ما كان معه من التراب.

                                                                                                                                                                                                                                      فأخرج لهم عجلا جسدا قال عطاء، عن ابن عباس: يريد لحما ودما له خوار كما يخور الحي من العجول.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة: جعل يخور خوار البقرة.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الحسن: صور بقرة صاغها من الحلي التي كان معهم، ثم ألقي على فرس جبريل فانقلب حيوانا يخور.

                                                                                                                                                                                                                                      فقالوا هذا إلهكم وإله موسى يعني: قال السامري ذلك ومن تابعه ممن افتتن بالعجل، قال سعيد بن جبير: عكفوا عليه وأحبوه حبا لم يحبوه شيئا قط.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: فنسي قال السدي: يقول: ترك موسى إلهه هاهنا وذهب يطلبه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة: يقول: إن موسى إنما طلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر.

                                                                                                                                                                                                                                      فعيرهم الله تعالى بصنيعهم، وقال موبخا: أفلا يرون ألا [ ص: 219 ] يرجع إليهم قولا أنه لا يرجع إليهم قولا، أي: لا يرد لهم جوابا، كما قال: ألم يروا أنه لا يكلمهم .

                                                                                                                                                                                                                                      ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا توبيخ لهم، إذ عبدوا من لا يملك ضر من ترك عبادته، ولا نفع عنده.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية