قوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب نزلت في رؤساء محمد صلى الله عليه وسلم. اليهود الذين كتموا صفة
[ ص: 260 ] ويشترون به ثمنا قليلا ذكرنا تفسيره في قوله: ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ، أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار أي: إلا ما يؤول عاقبته إلى النار، كقوله: إنما يأكلون في بطونهم نارا ، ولا يكلمهم الله يوم القيامة أي: لا يكلمهم كلاما يسرهم وينفعهم، فأما التهديد والتوبيخ فقد يكون، ولا يزكيهم ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم.
قوله: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى مضى تفسيره.
وقوله: فما أصبرهم على النار المعنى: فما أصبرهم على عمل أهل النار حين تركوا الهدى وأخذوا بالضلالة! وقال الحسن، وقتادة، والربيع: ما أجرأهم على أعمال أهل النار! قال وهذه لغة يمانية، يقول الرجل: ما أصبرك على كذا! يريد: ما أجرأك عليه. الفراء:
وما على هذا القول: تعجب، كقولك: ما أحسن زيدا! ومعنى التعجب من الله: أنه يعجب المخاطبين ويدلهم على أنهم قد حلوا محل من يتعجب منهم.
وقال هذا على وجه الاستفهام، ومعناه: ما الذي صبرهم وأي شيء صبرهم على النار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل؟ وما على هذا القول للاستفهام لا للتعجب، و "أصبر" بمعنى: صبر، مثل: كرم وأكرم. السدي:
وقوله: ذلك إشارة إلى قوله: ولهم عذاب أليم أي: ذلك العذاب لهم، بأن الله نزل الكتاب بالحق يعني: التوراة، فاختلفوا فيه، أي: آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد [ ص: 261 ] لفي خلاف طويل، وذكرنا معنى "الشقاق" فيما سبق.
وقوله عز وجل: ليس البر قرئ نصبا ورفعا، وكلاهما حسن ؛ لأن اسم ليس وخبرها اجتمعا في التعريف، فجاز أن يكون أحدهما أيها كان اسما والثاني خبرا.
قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وعطاء: كان الرجل في ابتداء الإسلام إذا شهد الشهادتين وصلى إلى أي ناحية كان، ثم مات على ذلك وجبت له الجنة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت الفرائض، وحدت الحدود، وصرفت القبلة إلى الكعبة، أنزل الله هذه الآية فقال: ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البر ما ذكر في قوله: ولكن البر من آمن بالله
قال معناه: ولكن ذا البر، فحذف المضاف كقوله: الزجاج: هم درجات أي: ذوو درجات.
وقال قطرب، معناه: ولكن البر بر من آمن بالله، فحذف المضاف وهو كثير في الكلام، كقوله: والفراء: وأشربوا في قلوبهم العجل ، واسأل القرية .
قوله: والكتاب قال يريد: الكتب، والكتاب: اسم جنس، فيجوز وقوعه على الكثير. ابن عباس:
وآتى المال على حبه أي: على حب المال.
قال ابن عباس، هو أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر. وابن مسعود:
[ ص: 262 ] وقوله: وابن السبيل قال هو المنقطع من أهله يمر عليك. مجاهد:
وقال هو الضيف ينزل بالرجل. قتادة:
قوله: وفي الرقاب قال جميع المفسرين: يريد به: المكاتبين، ويكون التقدير: وفي ثمن الرقاب، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا أراد: فيما بينهم وبين الله، وبينهم وبين الناس، إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا ونذروا وفوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا اؤتمنوا أدوا.
وارتفع "الموفون" بالعطف على محل "من" في قوله: (من آمن ) فهو رفع لأنه خبر لكن، كأنه قال: (ولكن البر من آمن بالله ) والموفون.
وقوله: والصابرين في البأساء يعني: الفقر، وهو اسم من البؤس، والضراء المرض، وانتصب "الصابرين" على المدح، وإن كان معطوفا على مرفوع.
والعرب، إذا تطاول الكلام، اعترضت فيه بالمدح أو الذم، وإن كان حقه الرفع، من ذلك قول الشاعر:
لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك
والطيبين معاقد الأزر
[ ص: 263 ] قال المدح والذم ينصبان على معنى: أعني، فكأنه قال، بعد قوله وآفة الجزر: أعني النازلين بكل معترك. الخليل:
قوله: وحين البأس يعني: وقت القتال في سبيل الله، والبأس: اسم للحرب، لما فيها من الشدة، أولئك أي: أهل هذه الأوصاف، ومن قام بواحدة منها لم يستحق الوصف بالبر.