الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما  يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا  إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما  ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا  

                                                                                                                                                                                                                                      والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن ناسا من أهل الشرك قتلوا وزنوا وأكثروا، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الذي تدعوا إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة.

                                                                                                                                                                                                                                      فنزلت هذه الآية.
                                                                                                                                                                                                                                       


                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، نا والدي، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، نا جرير، عن منصور عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود، قال: سألت رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك، فأنزل الله تصديقها: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون  رواه البخاري، ومسلم، عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير وقوله: ومن يفعل ذلك قال مقاتل: هذه الخصال جميعا.

                                                                                                                                                                                                                                      يلق أثاما أي: عقوبة وجزاء لما فعل.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الفراء: آثمه الله إثما وأثاما، أي جازاه جزاء الإثم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال المفسرون: أثام واد في جهنم من دم وقيح.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم ذكر ما يجازى به، وفسر لقي الآثام بقوله: يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ومن رفع يضاعف ، ويخلد استأنف وقطعه مما قبله.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بمكة، وكان المشركون قالوا: ما يغني عنا الإسلام وقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله، وأتينا الفواحش، فنزلت هذه الآية.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو منصور البغدادي، أنا أبو الحسن السراج، نا محمد بن عبد الله الحضرمي، نا إبراهيم بن محمد بن عباس [ ص: 347 ] الشافعي، نا عبد الله بن رجاء، عن عبيد الله بن عمر، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: قرأنا على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سنتين والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله .... الآية، ثم نزلت: إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ، فما رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرح بشيء فرحه بها، وبـ: إنا فتحنا لك فتحا مبينا،  قال قتادة: إلا من تاب من ذنبه، وآمن بربه، وعمل عملا صالحا فيما بينه وبين ربه فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما قال: التبديل في الدنيا طاعة الله بعد عصيانه، وذكر الله بعد نسيانه، والخير يعمله بعد الشر.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الحسن: أبدلهم بالعمل السيئ العمل الصالح، وبالشرك إخلاصا وإسلاما، وبالفجور إحصانا.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن عباس، ومجاهد، والسدي: يبدل الله سيئاتهم يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام بالشرك إيمانا، وبقتل النفس التي حرم الله قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانا.

                                                                                                                                                                                                                                      وذهب قوم إلى أن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة، وهو قول سعيد بن المسيب، ومكحول، وعمرو بن ميمون، واحتجوا بالحديث الصحيح الذي.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرناه أبو منصور بن طاهر التميمي، أنا أبو عمر بن مطر، نا إبراهيم بن علي الذهلي، نا يحيى بن يحيى، نا وكيع، عن الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، ويخبأ عنه كبارها، فيقال: عملت يوم كذا كذا وكذا، وهو مقر لا ينكر، وهو مشفق من الكبار، فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، فيقول: إن لي كبار ذنوب ما أراها هاهنا، قال: فلقد رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يضحك حتى بدت نواجده،  رواه مسلم، عن ابن نمير، عن أبيه، عن الأعمش.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أحمد بن إبراهيم المهرجاني، أنا عبيد الله بن محمد بن بطة، نا أبو القاسم ابن بنت منيع، أنا محمد بن هارون الجدي، نا أبو المغيرة الحمصي، نا صفوان بن عمرو، نا عبد الرحمن بن جبير، أن رجلا أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، طويل شطب ممدود، فقال: " أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها فلم يترك منها وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا اقتطعها بيمينه، فهل لذلك من توبة؟ قال: هل أسلمت؟ قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأنك رسول الله، قال: نعم، تفعل الخيرات، وتترك الشرات يجعلهن الله لك خيرات، قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: نعم، فقال: الله أكبر، فما زال يكبر حتى توارى".  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ومن تاب وعمل صالحا قال ابن عباس في رواية عطاء: ومن آمن.

                                                                                                                                                                                                                                      يعني: ممن لم يقتل، ولم يزن وعمل [ ص: 348 ] صالحا، يريد الفرائض، فإنه يتوب إلى الله متابا.

                                                                                                                                                                                                                                      قال: يريد أني فضلتهم وقدمتهم على من قاتل نبيي، واستحل محارمي.

                                                                                                                                                                                                                                      وعلى هذا معنى الآية: ومن تاب من الشرك وعمل صالحا، ولم يكن من القبيل الذين زنوا وقتلوا، فإنه يتوب إلى الله، أي يعود إليه بعد الموت، متابا حسنا، يفضل على غيره ممن قتل وزنا، فالتوبة الأولى رجوع عن الشرك، والثانية رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية